لماذا تتكرر انفـ ـجـ ـارات مستودعات السـ ـلاح في إدلب؟.. ناشط سياسي سوري يكشف ما وراء المشهد

سوريا ـ طرح الناشط السياسي السوري خالد أبو صلاح، في منشور تناول فيه تكرار انفجارات مستودعات الأسلحة والذخائر في محافظة إدلب، جملة من التساؤلات حول أسباب هذه الحوادث والجهات التي تقف خلفها، متناولاً احتمالات تتعلق بمخلفات الحرب وسوء التخزين، إلى جانب احتمال تعرض بعض المستودعات للاستهداف.
وأشار أبو صلاح إلى أن مستودعاً للذخيرة قرب سرمدا انفجر، ما أدى، حتى كتابة منشوره، إلى مقتل ما يصل إلى 14 شخصاً وإصابة عشرات آخرين، في حين شهدت مدينة بنش قبل نحو أسبوع حادثة مشابهة أسفرت عن مقتل 5 أشخاص وإصابة عشرات آخرين.
انفجارات متكررة وروايات غامضة
وبحسب ما أورده أبو صلاح نقلاً عن مصادر وصفها بالموثوقة، فإن حادثة بنش لم تكن عرضية، وإنما جاءت نتيجة استهداف إسرائيلي مباشر للموقع.
وفي المقابل، انتقد طريقة تناول الحادثة إعلامياً ورسمياً، معتبراً أن الاكتفاء بالقول إن المستودع «انفجر» يقدم رواية عن نتيجة من دون تحديد الفاعل أو السبب، الأمر الذي أدى، وفق طرحه، إلى طيّ ملف الحادثة وضحاياها وسط الاحتفالات والاهتمام بما تصدر من اتجاهات في «سوريا الجديدة».
ومن هنا يطرح أبو صلاح سؤالين أساسيين: لماذا تتكرر انفجارات مستودعات الذخيرة في إدلب؟ ولماذا تبقى الجهة التي تقف خلفها مجهولة في كل مرة؟
مخلفات الحرب وسوء التخزين
يضع أبو صلاح احتمالين أمام هذه الحوادث؛ الأول يتعلق بمخلفات الحرب، إذ تركت سنوات القتال كميات كبيرة من الذخائر والقذائف غير المنفجرة في الحقول وعلى جوانب الطرق، ومع مرور السنوات وتقادم القذائف والصواعق، تصبح هذه المواد أكثر حساسية وخطورة.
أما الاحتمال الثاني فيتعلق بسوء التخزين، مع وجود مستودعات أقيمت بصورة مؤقتة داخل أقبية ومزارع وبين المناطق السكنية، لكنها استمرت لسنوات من دون الالتزام بمعايير التخزين الآمن، بما في ذلك التهوية والفصل بين الذخائر والحماية من الحرارة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال صيف إدلب، يمكن لمثل هذه المواقع أن تتحول، وفق طرحه، إلى قنابل موقوتة.
لكن أبو صلاح يعتبر أن هذه التفسيرات، رغم وجاهتها، لا تكفي لتفسير تكرار الحوادث على مدى يقارب عامين بعد «التحرير».
استهداف مخزون الجيش المقبل
ويربط أبو صلاح بين تكرار استهداف مستودعات السلاح والمرحلة التي تمر بها المؤسسة العسكرية السورية، معتبراً أن سوريا تعمل على إعادة تشكيل مؤسستها العسكرية، وأن المخزون المتناثر من المرحلة السابقة يمثل مادة أولية يمكن أن تدخل في بناء جيش جديد.
ووفق هذه القراءة، فإن استنزاف ذلك المخزون قبل جرده وتسجيله ودمجه وتنظيمه يحول دون تشكل قدرة عسكرية سورية متماسكة، وبالتالي فإن استهداف المستودعات لا يطال مخزوناً قديماً فقط، وإنما يطال، بحسب طرحه، الجيش والقوات المسلحة التي يجري العمل على تشكيلها.
وفي ظل سجل إسرائيل خلال العقد الماضي في استهداف مستودعات الأسلحة داخل سوريا، يعتبر أبو صلاح أن احتمال وقوفها خلف بعض هذه العمليات ليس، من وجهة نظره، فرضية بعيدة، بل الجهة التي يراها الأكثر قدرة وإمكانية ومصلحة في تنفيذها، معتبراً حادثة بنش «دليلاً لا يقبل الدحض».
الأخطر من الانفجار.. الصمت
ويرى أبو صلاح أن الأخطر من وقوع الانفجار نفسه هو الصمت المحيط به.
فالقول إن مستودعاً «انفجر» بدلاً من تحديد ما إذا كان قد «قُصف» أو «فُجّر»، يعني، وفق طرحه، خسارة أكثر من مجرد الدقة في نقل الخبر؛ إذ يفقد الجمهور حقه في معرفة ما حدث، وتفقد الدولة حقها في تسمية الجهة المعتدية، كما تتراجع قدرتها على المطالبة بالمسؤولية أو الاحتجاج عليها.
ويختصر أبو صلاح ذلك بالقول: «الاعتداء الذي لا يُسمّى بوضوح، لا يمكن الاحتجاج عليه. هي هكذا ببساطة».
«الاعتداء الذي لا يُسمّى بوضوح، لا يمكن الاحتجاج عليه. هي هكذا ببساطة!»
السلاح بين المدنيين وثغرة الأمن القومي
ويتوقف أبو صلاح عند مسألة تخزين الأسلحة داخل المناطق المأهولة، في ظل هشاشة الوضع الأمني ووجود طرف معادٍ، وفق وصفه، يواصل القصف والتحرك وفرض الوقائع على الأرض، إلى جانب عمليات تجريف للأراضي الزراعية جنوباً، وتهديدات صادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي من جبل الشيخ المحتل المطل على دمشق.
وفي قراءته، تكمن الخطورة أيضاً في وجود مستودعات غير مسجلة أو غير موثقة أو غير معروفة للجهات الرسمية، لأن ما لا تعرفه مؤسسات الدولة عن مواقع تخزين السلاح يمكن للخصم معرفته عبر الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة.
كما أن إخفاء الأسلحة بين المدنيين بهدف التمويه والخداع يتحول، عندما تعجز الدولة عن حماية تلك المواقع، إلى خطر مباشر على السكان.
ويصف أبو صلاح ذلك بأنه ليس «ثغرة إدارية» ولا «ذكاءً استراتيجياً»، وإنما «ثغرة أمن قومي ووطني بالمعنى الحرفي للكلمة».
ويعتبر أن الفوضى تخدم الخصم مرتين؛ فهي تجعل الأهداف أسهل، وتوفر في الوقت نفسه إمكانية إنكار الاستهداف. ومع تكرار الانفجارات التي توصف بأنها «عرضية»، يصبح من الأسهل، وفق طرحه، إخفاء العمليات المتعمدة، ويتحول الاضطراب إلى غطاء مستمر ورخيص للاستهداف.
«هذه ليست ثغرة إدارية ولا ذكاءً استراتيجياً؛ إنها ثغرة أمن قومي ووطني بالمعنى الحرفي للكلمة.»
إدلب واختبار الدولة الجديدة
وفي ختام طرحه، يضع أبو صلاح ما يحدث في إدلب ضمن اختبار أوسع لمعنى الدولة بعد سقوط نظام الأسد.
وبحسب رؤيته، فإن المعيار الأول لأي سلطة جديدة يتمثل في حماية المواطنين وإخبارهم بوضوح بما حدث، ومن يقف وراءه، ومن يتحمل المسؤولية.
ويقرّ بأن الغموض قد يكون خياراً تكتيكياً في مرحلة انتقالية هشة لتجنب التصعيد، لكنه يحذر من تحوله إلى نهج دائم يكرس التهرب من المسؤولية.
فالشفافية، وفق ما يخلص إليه أبو صلاح، ترتبط مباشرة بالمساءلة والقدرة على تصحيح الأخطاء، وفي غيابها يبقى المواطن هو من يدفع «فاتورة الصمت والتخبط من دمه».



