منصور ياواش يستقيل من الشعب الجمهوري.. أزمـ ـة جديدة تعـ ـمّق انقسام المعارضة التركية

أعلن رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش، الأربعاء، استقالته من حزب الشعب الجمهوري المعارض، مؤكداً أنه سيواصل عمله السياسي ورئاسة بلدية العاصمة بصفة مستقلة. وجاء القرار في توقيت يشهد فيه الحزب انقسامات سياسية وقانونية متراكمة، على خلفية الصـ ـراع حول قيادته ومستقبله السياسي، إضافة إلى الانقسام الأوسع داخل صفوف المعارضة التركية.
وقال ياواش إن استقالته لم تأتِ بدافع الغـ ـضب أو الاستـ ـياء، بل نتيجة تطورات بدأت منذ آذار 2025، عندما اعـ ـتُـ ـقل رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو، وما أعقب ذلك من تحولات ونقاشات سياسية وقانونية، وصولاً إلى النـ ـزاع حول المؤتمر العام الـ38 للحزب المنعقد في تشرين الثاني 2023.
مفترق طرق داخل الحزب
وفي بيانه، ربط ياواش قراره بما وصفه بـ”مفترق طرق” وصلت إليه الحياة السياسية التركية، معتبراً أن الخلافات المتواصلة حول شرعية المؤتمر العام قد تقود إلى انقسام عميق داخل الشعب الجمهوري.
وشدد على أن الصراع داخل المعارضة لا ينبغي، بحسب موقفه، أن يتحول إلى عامل لاستنزاف قواها، داعياً إلى التركيز على المبادئ المشتركة والوحدة على المستوى الشعبي.
كما ركز ياواش في حديثه على مسألة “إرادة الناخبين”، قائلاً إن المناصب التي حصل عليها المنتخبون بأصوات المواطنين يجب أن تبقى مرتبطة بهذه الإرادة، وأن فقدان الثقة بالسياسة والسياسيين يفرض مسؤولية على السياسيين، لا على الناخبين.
خلاف حول الهوية الحزبية
وجاءت الاستقالة أيضاً بعد تصريحات لمسؤولين في الشعب الجمهوري شددوا فيها على أولوية الهوية المؤسسية للحزب. وكان المتحدث باسم الحزب مسلم صاري قد انتقد، إبلاغ ياواش كلاً من أوزغور أوزيل وكمال كليتشدار أوغلو مسبقاً باجتماعه مع الرئيس رجب طيب إردوغان في 10 أيلول الجاري، معتبراً أن رؤساء البلديات التابعين للحزب يفترض أن ينسقوا سياسياً مع قيادة حزبهم.
ورد ياواش بأنه لا يرى نفسه فوق الأحزاب، معتبراً أن هذا التصور سيكون “غروراً”، لكنه قال إن التصريحات التي صدرت في ذلك اليوم دفعته إلى اتخاذ قرار الاستقالة ومواصلة مسيرته مستقلاً.
ويأتي ذلك بعد لقاء ياواش بإردوغان، وهو اللقاء الذي أثار اهتماماً سياسياً واسعاً، خصوصاً في ظل موقع رئيس بلدية أنقرة داخل المعارضة التركية. وأكد ياواش أنه أبلغ أوزيل وكليتشدار أوغلو مسبقاً بالاجتماع.
علاقة ياواش بأوزيل وكليتشدار أوغلو
وتكشف مواقف قيادات المعارضة عن تباين واضح في التعامل مع خطوة ياواش. فقد أعلن أوزغور أوزيل احترامه لقرار رئيس بلدية أنقرة، وقال إنه تحدث إليه هاتفياً بعد إعلان الاستقالة وهنأه، مؤكداً أن رؤساء البلديات المنتخبين يملكون حق اتخاذ قراراتهم السياسية.
كما أثنى أوزيل على مواقف ياواش السابقة بشأن ضرورة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في تحديد أصحاب المناصب المنتخبة، معتبراً أن مسؤوليته الأساسية تظل تجاه سكان أنقرة الذين انتخبوه، بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية.
وفي المقابل، جاء موقف الدائرة المحيطة بكليتشدار أوغلو أكثر ارتباطاً بالهوية التنظيمية للحزب، في وقت أعاد فيه نزاع قضائي كليتشدار أوغلو مؤقتاً إلى قيادة الشعب الجمهوري، بينما كان أوزيل قد تولى رئاسة الحزب عبر المؤتمر المتنازع عليه.
وكان أوزيل قد أعلن في تموز الماضي تأسيس حزب جديد بعد استقالته من الشعب الجمهوري، وانضم إليه عدد من النواب المنشقين، في تطور عكس عمق الانقسام داخل المعارضة.
استقالة رؤساء بلديات بعد ياواش
ولم تتوقف تداعيات قرار ياواش عند شخصه، إذ أعلن سبعة رؤساء بلديات تابعين لأنقرة استقالتهم من الشعب الجمهوري بعد قراره، مؤكدين استمرارهم في المسار نفسه معه. ويضيف ذلك بعداً تنظيمياً إلى الأزمة، بعدما انتقلت الخلافات من مستوى القيادة الحزبية إلى بعض المنتخبين المحليين.
ويحمل ياواش تاريخاً طويلاً مع الشعب الجمهوري. فقد انضم إليه عام 2013 قادماً من حزب الحركة القومية، ثم غادره عام 2016 قبل أن يعود إليه في 2018. وفاز برئاسة بلدية أنقرة في انتخابات 2019 ثم احتفظ بالمنصب في انتخابات 2024.
من إمام أوغلو إلى الانقسام الحالي
وتأتي خطوة ياواش ضمن سلسلة تطورات أعادت تشكيل المعارضة التركية خلال الأشهر الماضية. فقد أدى اعتقال أكرم إمام أوغلو في آذار 2025 إلى موجة سياسية وقانونية واسعة، بينما تصاعد الخلاف داخل الشعب الجمهوري حول قيادة الحزب وشرعية مؤتمره العام.
وفي تموز 2026، أعلن أوزيل أنه سيترك منصبه ويؤسس حزباً جديداً، قبل إطلاق الحزب الجديد بمشاركة نواب منشقين، في خطوة زادت من تعدد مراكز المعارضة.
وبذلك، أصبحت استقالة ياواش حلقة جديدة في مسار تفكك البنية الحزبية للمعارضة، لكنها لا تعني، في حد ذاتها، انتقاله إلى حزب آخر؛ إذ أكد صراحة أنه سيواصل نشاطه السياسي مستقلاً.
ماذا تعني الخطوة لبلدية أنقرة؟
وعلى المستوى المحلي، أعلن ياواش أنه سيواصل خدمة سكان أنقرة بصفته مستقلاً، مؤكداً أن علاقته بالناخبين لا تتوقف على عضويته الحزبية. وهذا يعني أن الاستقالة، وفق ما أعلنه، تستهدف تغيير وضعه التنظيمي داخل الحزب، وليس التخلي عن منصبه كرئيس للبلدية.
أما على المستوى السياسي الأوسع، فتضع الخطوة حزب الشعب الجمهوري أمام تطور جديد في علاقته بالمنتخبين المحليين والشخصيات البارزة المرتبطة به، في وقت تستمر فيه الخلافات حول القيادة والحزب الجديد الذي أسسه أوزيل.
وتبقى تداعيات الاستقالة مرتبطة بما ستؤول إليه علاقة ياواش بالمنتخبين الذين أعلنوا مغادرة الحزب، وما إذا كانت هذه الخطوة ستظل في إطار الاستقلال السياسي الفردي، أم تتحول إلى إعادة تنظيم أوسع داخل المعارضة التركية.



