دعم زراعي على الورق.. بذار القمح أغلى من سعر المحصول والمزارعون يواجهون أعباء الموسم وحدهم

في مفارقة تعكس حجم التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في سوريا، حددت وزارة الزراعة سعر طن بذار القمح للموسم الزراعي 2026-2027 بـ66 ألف ليرة سورية، في حين لا يتجاوز إجمالي ما يحصل عليه المزارع مقابل طن القمح الذي يبيعه للجهات المعنية 55 ألف ليرة، حتى بعد إضافة المكافأة التشجيعية. ويأتي ذلك بالتزامن مع نقص المازوت المدعوم، وتأخر صرف مستحقات الموسم السابق، وتعثر استكمال توزيع البذار وتنظيم الجداول الزراعية، ما يضع المزارعين أمام أعباء متزايدة وتساؤلات حول جدوى الدعم المعلن وقدرة السياسات الزراعية على ضمان استقرار الإنتاج.

فجوة الأسعار تكشف اختلالاً في منظومة الدعم

وحددت وزارة الزراعة سعر بيع طن بذار القمح للموسم الزراعي 2026-2027 بمبلغ 66 ألف ليرة سورية، معلنة أن صندوق دعم الإنتاج الزراعي سيتحمل الفارق بين سعر التكلفة وسعر البيع المحدد، في خطوة يفترض أن تسهم في تخفيف الأعباء المالية عن المزارعين وتشجيعهم على زراعة المحصول الاستراتيجي.

لكن مقارنة هذا السعر بما حددته الجهات المعنية لشراء محصول القمح من المزارعين تكشف عن فجوة مالية تثير تساؤلات بشأن طبيعة الدعم وآليات تطبيقه.

فقد حُدد سعر شراء طن القمح من المزارعين بـ46 ألف ليرة سورية، مع مكافأة تشجيعية تبلغ 9 آلاف ليرة للطن الواحد، ليصل إجمالي المبلغ الذي يحصل عليه المزارع إلى 55 ألف ليرة، وهو أقل من سعر طن البذار بنحو 11 ألف ليرة.

وتعني هذه المعادلة أن المزارع الذي يبيع محصوله وفق الأسعار المحددة، ويحتاج إلى شراء البذار للموسم التالي، يواجه فارقاً مالياً إضافياً، في وقت يفترض فيه أن تكون السياسات الزراعية مصممة لتخفيف تكاليف الإنتاج، لا زيادة الأعباء على المنتجين.

ولا تتعلق المشكلة بمجرد اختلاف سعر البذار عن سعر شراء المحصول، بل تتصل بغياب التوازن بين تكاليف الزراعة والعائد الذي يحصل عليه المزارع، ومدى قدرة الأسعار المحددة على تغطية نفقات الإنتاج وتأمين متطلبات الموسم الجديد.

المازوت والمستحقات المتأخرة.. أزمات تتراكم قبل بدء الموسم

وفي محافظة الحسكة، تتجاوز معاناة المزارعين مسألة أسعار البذار، إذ يواجه القطاع الزراعي مجموعة من المشكلات المتزامنة التي تهدد سير الموسم الزراعي، وفي مقدمتها نقص المازوت المدعوم، وتأخر صرف مستحقات الموسم الماضي، وعدم استكمال توزيع البذار وتنظيم الجداول الزراعية.

ويشكل نقص المحروقات المدعومة إحدى أبرز العقبات أمام المزارعين، نظراً إلى ارتباط العمليات الزراعية بتوافر المازوت، سواء لتشغيل الآليات الزراعية أو تأمين احتياجات عمليات الإنتاج المختلفة.

وفي ظل عدم توافر الكميات اللازمة من المحروقات المدعومة، يجد المزارعون أنفسهم أمام خيارات مكلفة، في وقت لم يحصل فيه عدد منهم على مستحقاتهم المالية عن الموسم السابق، ما يحد من قدرتهم على تمويل الموسم الجديد وشراء مستلزماته.

وتزداد هذه الصعوبات مع تأخر استكمال توزيع بذار القمح وتنظيم الجداول الزراعية، إذ إن الإعلان عن الأسعار أو تخصيص كميات من البذار لا يعني بالضرورة وصولها إلى المزارعين في الوقت المناسب، ولا يضمن قدرتهم على البدء بالزراعة وفق المواعيد المطلوبة.

وهنا تظهر فجوة أخرى بين القرارات المعلنة والاحتياجات الفعلية للقطاع الزراعي؛ فالمزارع لا يحتاج إلى تحديد سعر البذار فقط، وإنما إلى منظومة متكاملة تضمن وصوله، وتوفير المحروقات والأسمدة، وصرف المستحقات المالية دون تأخير.

صندوق دعم الإنتاج الزراعي.. ما الذي يصل فعلياً إلى المزارع؟

إعلان وزارة الزراعة تحمل صندوق دعم الإنتاج الزراعي الفارق بين تكلفة بذار القمح وسعر بيعها يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الدعم وآليات تنفيذه ومدى انعكاسه الفعلي على المزارعين.

فالدعم لا يمكن قياسه بمجرد الإعلان عن تحمل الصندوق جزءاً من التكلفة، وإنما بمدى قدرة المزارع على الحصول على البذار بالسعر المحدد، وفي الوقت المناسب، وبالكميات التي يحتاج إليها لزراعة أرضه.

كما أن معالجة تكلفة البذار بمعزل عن بقية مستلزمات الإنتاج تبقى معالجة جزئية، لا تعالج المشكلات المتراكمة التي يواجهها المزارعون، ولا سيما في ظل نقص المازوت المدعوم وتأخر المستحقات المالية.

وتبرز هنا ضرورة توضيح آليات عمل صندوق دعم الإنتاج الزراعي، وحجم المبالغ المخصصة لدعم البذار، والفارق الذي سيتحمله الصندوق، والجهات المسؤولة عن ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، فضلاً عن وضع جدول زمني واضح لتوزيع المستلزمات وصرف المستحقات.

فمن غير المجدي الإعلان عن أسعار مدعومة دون ضمان تنفيذها على أرض الواقع، كما أن تحميل المزارع أعباء تأمين بقية المستلزمات من موارده المحدودة يفرغ جزءاً كبيراً من الدعم المعلن من مضمونه.

الحسكة.. القمح والشعير مصدر رزق آلاف الأسر

وتكتسب هذه التحديات أهمية خاصة في محافظة الحسكة، حيث يعتمد آلاف المزارعين والأسر على زراعة القمح والشعير بوصفهما مصدراً رئيسياً للدخل والمعيشة.

ويعني تعثر تأمين مستلزمات الإنتاج أن آثار الأزمة لا تتوقف عند المزارعين وحدهم، بل تمتد إلى الأسر التي تعتمد على النشاط الزراعي، وإلى مجمل العملية الإنتاجية المرتبطة بالمحاصيل الاستراتيجية.

فالقمح ليس مجرد محصول موسمي بالنسبة إلى مزارعي المنطقة، وإنما يمثل أحد أهم مصادر الدخل، كما يشكل إنتاجه جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الغذائي المحلي.

ومن هذا المنطلق، فإن أي خلل في تأمين البذار أو المحروقات أو الأسمدة، أو أي تأخير في دفع مستحقات المحصول، يضع المزارعين أمام مخاطر مالية قد تنعكس على قدرتهم على مواصلة الزراعة خلال المواسم اللاحقة.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق الاكتفاء الغذائي مرتبطاً بصورة مباشرة بمدى قدرة الجهات المعنية على توفير مستلزمات الإنتاج، وليس فقط بتحديد أسعار الشراء والبيع أو الإعلان عن برامج الدعم.

دعم الإنتاج أم تحميل المزارع كلفة التعثر؟

إن ما يواجهه المزارعون يطرح تساؤلات جدية حول أولويات السياسة الزراعية ومدى ارتباط القرارات المعلنة بالواقع الذي يعيشه المنتجون.

فكيف يمكن مطالبة المزارع بالحفاظ على مستوى الإنتاج أو زيادته، في وقت لا تزال فيه مستحقات الموسم السابق متأخرة، والمازوت المدعوم غير متوافر بالكميات اللازمة، وتوزيع البذار وتنظيم الجداول الزراعية غير مكتملين؟

وكيف يمكن الحديث عن دعم الإنتاج الزراعي، بينما يجد المزارع نفسه أمام فجوة سعرية بين ما يحصل عليه مقابل محصوله وما يدفعه لتأمين بذار الموسم التالي، فضلاً عن بقية التكاليف التي يتحملها؟

إن دعم القطاع الزراعي لا ينبغي أن يقتصر على قرارات تسعير البذار أو الإعلان عن تحمل صندوق دعم الإنتاج الزراعي جزءاً من التكلفة، بل يتطلب إجراءات عملية ومتكاملة تبدأ بصرف مستحقات المزارعين المتأخرة، وتأمين المازوت المدعوم والأسمدة، واستكمال توزيع البذار في الوقت المناسب، ووضع آليات واضحة وعادلة لتسعير المحاصيل بما يراعي تكاليف الإنتاج ويضمن هامشاً مناسباً للمزارعين.

كما يتطلب ذلك شفافية في إعلان حجم الدعم المخصص للقطاع الزراعي، وتوضيح الجهات المسؤولة عن تنفيذه، ومتابعة وصوله إلى المزارعين بعيداً عن الاكتفاء بالقرارات والتصريحات.

فالمزارع الذي لا يستطيع تأمين بذاره ومحروقاته وأسمدته، ولا يحصل على مستحقاته في مواعيدها، لا يواجه مجرد صعوبات موسمية، بل يواجه منظومة من الأعباء المتراكمة التي تهدد مصدر رزقه واستمرارية الإنتاج الزراعي. وبين أسعار معلنة للدعم واحتياجات لا تزال دون تأمين، يبقى السؤال الأبرز: أين ينعكس الدعم الزراعي فعلياً، إذا كان المزارع لا يزال يتحمل الجزء الأكبر من كلفة الإنتاج ومخاطر الموسم؟

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى