التعليم باللغة الأم في سوريا.. تقليص حضور الكوردية يفتح مواجـ ـهة حول الهوية والمناهج

لا يقتصر الجدل الدائر حول تدريس اللغة الكوردية في المدارس السورية على عدد الحصص المخصصة لها، بل يتصل بمستقبل التنوع الثقافي واللغوي في البلاد، وبمدى التزام الحكومة الانتقالية بالاعتراف بحقوق المكونات وضمان حضور لغاتها وثقافاتها في النظام التعليمي. فبينما يُنظر إلى التعليم باللغة الأم باعتباره حقاً أساسياً للطفل وجزءاً من حماية هويته، يثير حصر تدريس الكوردية بثلاث حصص أسبوعياً تساؤلات بشأن جدية الاعتراف بالتعددية، ويعيد إلى الواجهة مخـ ـاوف تهميش التاريخ والثقافة الكرديين، ولا سيما في ظل النقاشات المتعلقة بإعداد المناهج ومستقبل التعليم في سوريا.
من الاعتراف بالهوية إلى تقليص حضور اللغة
أثار قرار وزارة التربية والتعليم في الحكومة الانتقالية السورية، القاضي بتحديد تدريس اللغة الكوردية بثلاث حصص أسبوعياً في المدارس الواقعة ضمن المناطق ذات الكثافة السكانية الكوردية، موجة اعتراضات طلابية وشعبية في مدن وبلدات شمال وشرق سوريا، حيث خرج طلاب في الحسكة وقامشلو وديرك وتربه سبيه ورميلان ومناطق أخرى، مطالبين بمواصلة التعليم باللغة الكوردية، ورفض اختزال حضورها في عدد محدود من الحصص.
وتكمن أهمية هذه الاحتجاجات في أنها لا تعبر عن رفض تعلم اللغة العربية أو اللغات الأخرى، بل عن رفض التعامل مع اللغة الكوردية باعتبارها مادة إضافية ضمن المنهاج، بدلاً من كونها لغة تعليم وثقافة ومعرفة، وعن المطالبة بضمان حق الطلاب في تلقي تعليمهم بلغتهم الأم، بما يشمل مختلف المواد والمراحل الدراسية.
وكانت الحكومة الانتقالية قد أصدرت في 16 كانون الثاني 2026 المرسوم رقم 13، الذي أقر بأن المواطنين الكورد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تشكل جزءاً من الهوية الوطنية السورية المتعددة. وأثار هذا الاعتراف آمالاً بإحداث تغيير فعلي في السياسات التعليمية، وفتح المجال أمام تطوير مناهج باللغة الكوردية، بعد سنوات من حرمانها من الاعتراف الرسمي في مؤسسات الدولة.
وفي 27 آب 2026، أعلنت وزارة التربية والتعليم القرار رقم 493، الذي سمح بتدريس اللغة الكوردية في المدارس العامة والخاصة بالمناطق ذات الكثافة السكانية الكوردية، وحدد لها ثلاث حصص أسبوعياً، إلى جانب حصة نشاط واحدة، مع احتساب مادة اللغة الكوردية ضمن المجموع النهائي للطلاب. كما أتاح القرار، خلال عام دراسي واحد، تدريس مواد الاجتماعيات والتاريخ والجغرافيا والفلسفة باللغة العربية أو الكوردية.
ورغم أن القرار مثل خطوة باتجاه إدخال اللغة الكوردية إلى المدارس الرسمية، فإن تحديدها بثلاث حصص أسبوعياً أعاد طرح السؤال الأساسي: هل المطلوب الاعتراف باللغة الكوردية بوصفها جزءاً من التنوع السوري، أم الاكتفاء بإدراجها مادة محدودة لا تتيح للطلاب متابعة تعليمهم بها؟
التعليم باللغة الأم حق وليس امتيازاً
تستند المطالبة بالتعليم باللغة الأم إلى مبادئ ومواثيق دولية تؤكد حماية حقوق الأقليات اللغوية والثقافية، وعدم حرمان الأطفال من استخدام لغتهم أو ممارسة ثقافتهم. فالمادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على عدم جواز حرمان الأشخاص المنتمين إلى أقليات من حقهم في استخدام لغتهم الخاصة، فيما تؤكد المادة 30 من اتفاقية حقوق الطفل حق الطفل المنتمي إلى أقلية في التمتع بثقافته واستخدام لغته.
كما تنص المادة 29 من الاتفاقية ذاتها على أن التربية ينبغي أن تهدف إلى تنمية احترام هوية الطفل الثقافية ولغته وقيمه، بينما تدعو المادة الرابعة، الفقرة الثالثة، من إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، الدول إلى اتخاذ التدابير المناسبة، حيثما أمكن، لتوفير فرص كافية لتعلم اللغة الأم أو تلقي التعليم بها.
وتؤكد توجهات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” أهمية التعليم القائم على اللغة الأم، ولا سيما في المراحل الأولى، باعتباره عاملاً مساعداً على الفهم والتحصيل الدراسي، إلى جانب دوره في حماية اللغات والثقافات وتعزيز المساواة في التعليم.
ولا تعني هذه المواثيق بالضرورة فرض نموذج تعليمي واحد أو إلغاء تعلم اللغات الرسمية والمشتركة، لكنها تؤكد ضرورة ألا يتحول التنوع اللغوي إلى سبب للتمييز أو الإقصاء، وأن تضع الدول سياسات تتيح للأطفال التعلم بلغاتهم، مع تطوير تعليم متعدد اللغات يضمن التواصل والانفتاح على بقية مكونات المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن حصر اللغة الكوردية في ثلاث حصص أسبوعياً لا يحسم مسألة الحق في التعليم بها، بل يفتح نقاشاً حول مدى كفاية هذا الإجراء لضمان استمرارها لغةً للمعرفة والتعلم، خصوصاً في المناطق التي يشكل فيها الكورد نسبة كبيرة من السكان، ولديها تجربة تعليمية باللغة الكوردية امتدت سنوات.
احتجاجات الطلاب.. دفاع عن اللغة والهوية
اتسعت رقعة الاعتراضات الطلابية على القرار، واتخذت أشكالاً متعددة، من بينها المظاهرات والوقفات الاحتجاجية والبيانات الطلابية التي طالبت بإلغاء القيود المفروضة على تدريس اللغة الكوردية، والاعتراف بها لغة رسمية في الدستور السوري، وضمان حق الطلاب في مواصلة تعليمهم بلغتهم الأم.
وفي الحسكة، خرج طلاب للاحتجاج على تقليص تدريس الكوردية، وتعرض عدد منهم لاعتداء نفذه أشخاص ملثمون أثناء اعتصام أمام مدرسة الرنتيسي، وفق تقارير إعلامية، قبل أن تتدخل قوى الأمن العام للفصل بين الطرفين. وأثارت الحادثة مخاوف بشأن سلامة الطلاب وحقهم في التعبير السلمي عن مطالبهم، في وقت لم ترد فيه معلومات عن إصابات أو توقيفات مرتبطة بالاعتداء.
وامتدت الاحتجاجات إلى ديرك وتربه سبيه ورميلان ومناطق أخرى، حيث حمل الطلاب حقائبهم المدرسية وكتبهم باللغة الكوردية، في رسالة رمزية تؤكد تمسكهم بحقهم في التعلم بلغتهم. كما شهدت مدينة قامشلو مظاهرة طلابية انطلقت من دوار عثمان صبري باتجاه هيئة التربية في المجمع التربوي، رفضاً لقرار حصر تدريس الكوردية بثلاث حصص أسبوعياً.
وتؤكد هذه التحركات أن القضية تجاوزت الخلاف حول آلية تطبيق قرار وزاري، لتصبح مرتبطة بمستقبل جيل نشأ وتلقى تعليمه باللغة الكوردية، وبمدى قدرته على مواصلة دراسته ضمن منظومة تعليمية تعترف بلغته وتوفر له المناهج والكوادر اللازمة.
فالطلاب الذين يطالبون باستمرار التعليم بالكوردية لا يطالبون بإقصاء العربية أو حرمان بقية المكونات من حقوقها اللغوية، بل يرفضون أن تكون حقوقهم أقل من حقوق الآخرين، ويتمسكون بمبدأ المساواة في الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي.
المناهج.. معركة على الذاكرة والتاريخ
لا تنفصل قضية اللغة عن مضمون المناهج الدراسية، إذ لا تقتصر وظيفة المدرسة على تعليم القراءة والكتابة والعلوم، بل تسهم أيضاً في تشكيل وعي الأجيال بتاريخ المجتمع وهويته وتنوعه. ومن هنا، فإن غياب اللغة الكوردية عن التعليم، أو حصرها في نطاق محدود، قد ينعكس على حضور التاريخ والثقافة الكورديين في المناهج، ويضعف قدرة الطلاب على التعرف إلى تاريخ مجتمعهم وإسهاماته الثقافية والاجتماعية.
وتبرز المخاوف بصورة أكبر مع استمرار النقاش حول إعداد المناهج السورية الجديدة، والجهات التي ستشارك في صياغتها، والمرجعيات الثقافية والتاريخية التي ستعتمدها. فالمناهج التي لا تعكس تعدد مكونات البلاد، أو تقدم تاريخها من منظور أحادي، يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التهميش، بدلاً من أن تكون أساساً لبناء مواطنة متساوية.
وتتصل هذه المخاوف أيضاً بالتجارب السابقة في مناطق سورية شهدت تدخلاً تركياً مباشراً، ولا سيما عفرين، حيث وثقت تقارير حقوقية تغييرات طالت المناهج التعليمية بعد سيطرة القوات التركية والفصائل الموالية لها على المنطقة عام 2018. وأشار تقرير لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” صدر في آذار 2023، بعنوان “المناهج الدراسية في عفرين: بين التتريك والتضييق على اللغة الكوردية”، إلى اعتماد مناهج الحكومة السورية المؤقتة، وإدخال اللغة التركية إلى بعض المدارس، وتراجع حصص اللغة الكوردية، وصولاً إلى تقليصها أو توقف تدريسها في بعض المؤسسات بسبب نقص الكوادر.
وتكشف هذه التجربة عن مخاطر إخضاع التعليم في المناطق الكوردية لتوجهات سياسية وثقافية خارجية، وعن إمكانية استخدام المناهج لإضعاف اللغة المحلية وإعادة تشكيل الوعي الثقافي للأجيال الجديدة. ولذلك، فإن أي نقاش حول المناهج السورية الجديدة ينبغي أن يأخذ في الحسبان ضرورة حماية الخصوصية الثقافية واللغوية لجميع المكونات، ومنع تحويل التعليم إلى وسيلة لفرض هوية أحادية.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من أن تتأثر المناهج السورية برؤى تركية أو بتوجهات سياسية لا تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوري، بما قد يؤدي إلى تهميش التاريخ الكوردي وإقصاء الثقافة واللغة الكورديتين من الذاكرة الوطنية. غير أن إثبات وجود تدخل تركي مباشر في إعداد المناهج الحالية للحكومة الانتقالية يتطلب أدلة ووثائق تتعلق بالجهات المشاركة في التأليف والتمويل والإشراف ومحتوى المناهج. لذلك، ينبغي التعامل مع هذه المسألة بوصفها خطراً يستدعي الرقابة والشفافية، لا حقيقة محسومة من دون أدلة.
مسؤولية الحكومة الانتقالية
تقع على عاتق الحكومة الانتقالية، وخصوصاً وزارة التربية والتعليم، مسؤولية ترجمة الاعتراف بالتعددية اللغوية إلى سياسات عملية، لا الاكتفاء بإجراءات جزئية. فإقرار الحقوق في المراسيم والبيانات الرسمية يفقد معناه إذا لم ينعكس على المناهج والكتب المدرسية وتدريب المعلمين وإتاحة التعليم باللغة الأم.
وتبرر الوزارة تحديد حصص اللغة الكوردية بصعوبات تتعلق بنقص المدرسين المتخصصين، وإعداد المناهج، ومتطلبات متابعة الدراسة الجامعية باللغة العربية. وهي تحديات يمكن مناقشتها ومعالجتها عبر خطة انتقالية واضحة، تتضمن تدريب الكوادر وتطوير المصطلحات العلمية وإعداد الكتب وتوسيع البرامج التعليمية تدريجياً. لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتقييد الحق أو تأجيله إلى أجل غير محدد.
كما أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على توفير الكتب والحصص، بل تشمل ضمان مشاركة ممثلي المكونات اللغوية والثقافية، وفي مقدمتهم الأكاديميون والمعلمون الكورد، في صياغة المناهج والقرارات التعليمية التي تخص مناطقهم. فالمناهج التي تُعد من دون مشاركة المجتمعات المعنية قد لا تعكس احتياجاتها أو تاريخها أو خصوصيتها.
ويقتضي بناء نظام تعليمي عادل وضع ضمانات دستورية وقانونية تحمي اللغات والثقافات، وتكفل عدم التمييز بين الطلاب على أساس اللغة أو الانتماء القومي، إلى جانب مراجعة قرار الحصص الثلاث بما يتيح تطوير التعليم باللغة الكوردية في مختلف المواد والمراحل، وفق خطة مدروسة لا تنتقص من الحقوق.
التعددية اختبار لمستقبل سوريا
إن الخلاف حول تدريس اللغة الكوردية يكشف جانباً أوسع من التحديات التي تواجه سوريا في مرحلة الانتقال السياسي، ويتعلق بطبيعة الدولة التي يجري العمل على بنائها: هل ستكون دولة تعترف بتعدد مكوناتها وتضمن حقوقها، أم ستعيد إنتاج سياسات مركزية تتعامل مع الاختلاف اللغوي والثقافي باعتباره مسألة ثانوية؟
فالتنوع السوري لا يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة بمجرد الإقرار به في الخطابات الرسمية، بل يحتاج إلى سياسات تعليمية وثقافية ودستورية تحميه وتضمن حضوره في المؤسسات العامة. كما أن بناء هوية وطنية مشتركة لا يتحقق عبر تقليص خصوصيات المكونات أو تهميش لغاتها وتاريخها، وإنما من خلال الاعتراف المتساوي بها وإتاحة المجال أمامها للمشاركة في صياغة مستقبل البلاد.
ومن هنا، فإن استمرار حصر تدريس اللغة الكوردية بثلاث حصص أسبوعياً، من دون خطة واضحة لتوسيع التعليم بها، سيبقي المخاوف قائمة بشأن مستقبل اللغة والهوية الكورديتين داخل النظام التعليمي السوري. أما معالجة القضية فتتطلب مراجعة القرار، وضمان حق التعليم باللغة الأم، وإدراج التاريخ والثقافة الكورديين في المناهج، وإشراك الكوادر الأكاديمية والتربوية الكوردية في إعدادها، مع توفير ضمانات تمنع أي تدخل خارجي أو توظيف سياسي للتعليم.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام الحكومة الانتقالية في قدرتها على تحويل الاعتراف بالتنوع إلى ممارسة ملموسة داخل المدارس والجامعات، بحيث لا يشعر أي طالب بأن لغته عبء أو أن تاريخه خارج الذاكرة الوطنية. فالدولة التي تسعى إلى بناء مستقبل مشترك لا يمكنها تحقيق ذلك من خلال إقصاء لغات أبنائها، بل عبر ضمان حقهم في التعلم بلغاتهم، والاعتراف بثقافاتهم بوصفها جزءاً أصيلاً من تاريخ سوريا وهويتها.



