فالكيري تعود بصيغة تركية؟ أخطر سيناريو داخل الجيش… وتصعيد محتمل مع أمريكا وإسرائيل

تحليل – مايكل روبين، المستشار السابق في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)

محاولة اغتيال هتلر: لحظة فالكيري

في 20 تموز/يوليو 1944، حاول ضباط ألمان اغتيال أدولف هتلر عبر قنبلة وُضعت داخل حقيبة خلال اجتماع عسكري. تولّى العقيد كلاوس فون شتاوفنبرغ، رئيس جيش الاحتياط الألماني، وضع القنبلة داخل قاعة الاجتماعات، وكان هدفه إنقاذ ألمانيا من هزيمة بدت حتمية. كانت مجريات الحرب قد بدأت تميل بالفعل، فبينما رفض هتلر الاعتراف بالواقع، أدرك ضباط ألمان وطنيون خطورة الوضع.

ورغم أن الانفجار أصاب هتلر بجروح طفيفة فقط، بسبب طاولة خشبية ضخمة امتصّت جزءًا كبيرًا من قوة الانفجار، فإن الخطة التي حملت الاسم الرمزي “عملية فالكيري” فشلت، وتم إعدام المشاركين فيها في اليوم التالي.

ضباط وضعوا الوطن فوق السلطة

لاحقًا، خُلِّد ذكر المتآمرين في التاريخ. فقد عُدّ فون شتاوفنبرغ وطنيًا ينتمي إلى خلفية عسكرية وقومية راسخة. أما زميله الجنرال فريدريش أولبريخت، فقد خدم وتم تكريمه في الحرب العالمية الأولى رغم أن عائلته لم تكن عسكرية. في حين أن اللواء هينينغ فون تريسكوف كان ينحدر من عائلة عسكرية تمتد تقاليدها لثلاثمئة عام.

وفي الوقت الذي كان فيه كثيرون ممن أحاطوا بهتلر يشككون داخليًا لكنهم التزموا الصمت حفاظًا على مناصبهم وامتيازاتهم، وضع هؤلاء الضباط مصلحة بلادهم فوق كل اعتبار.

التاريخ لا يعيد نفسه… لكنه يتشابه

غالبًا ما تُنسب إلى مارك توين مقولة مفادها أن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يتشابه في أنماطه. وهذا ما ينطبق على تركيا أيضًا.

إرث الجيش التركي ومكانته

فالجيش التركي يمتلك تاريخًا طويلًا ومحل تقدير. وحتى اليوم، يشير كثير من الأتراك إلى دور بلادهم في حلف الناتو، وخاصة مشاركتها في الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953، وبشكل خاص دور القوات التركية في معركة واغوون. كما يجلّ كثيرون مصطفى كمال أتاتورك والجيش لدورهما في منع تقسيم الأناضول بعد انهيار الدولة العثمانية.

تشابهات مع التجربة الألمانية

غير أن هذا التمجيد للماضي العسكري يشبه إلى حد ما ما كان عليه الحال لدى بعض الضباط البروسيين والألمان التقليديين، الذين دافعوا عن إرث الجيش في مواجهة التحولات التي فرضها النظام النازي، والذي قام بتفكيك المؤسسة العسكرية من الداخل.

إعادة تشكيل الجيش التركي

استمر حكم رجب طيب أردوغان في تركيا فترة تقارب ضعف مدة حكم هتلر في ألمانيا. وخلال هذه الفترة، جرى إضعاف الجيش التركي وإعادة تشكيله، على نحو يُقارن بما حدث في ألمانيا النازية، حيث قادت تلك السياسات البلاد نحو حافة كارثية.

وقد أتاحت سلسلة من الخطط السياسية، إلى جانب محاولة الانقلاب في تموز/يوليو 2016، لأردوغان إحكام سيطرته على الجيش، إذ استُخدمت تلك المحاولة كذريعة لإجراء عمليات تطهير واسعة داخل المؤسسة العسكرية، شملت عزل أو سجن عدد كبير من الضباط المحترفين.

إقصاء الضباط وإعادة توجيه المؤسسة

ورغم تبرير هذه الإجراءات بوجود نفوذ لأنصار فتح الله غولن داخل الجيش، إلا أن الوقائع تشير إلى أن الهدف شمل أيضًا إقصاء ضباط يتمتعون بخبرة في العمل مع الناتو أو يمثلون التوجه العلماني والقومي التقليدي للمؤسسة العسكرية.

تصعيد خارجي ومسارات متوترة

وبعد إحكام السيطرة على هيئة الأركان، اتجهت السياسات نحو مزيد من التصعيد، سواء عبر نشر طائرات F-16 في شمال قبرص، أو استضافة حركة حماس في إسطنبول، أو تقديم دعم غير مباشر لحزب الله، ما دفع البلاد نحو مسارات أكثر توترًا.

وفي سياق التصعيد، فإن تكرار الشعارات العدائية تجاه الولايات المتحدة أو إسرائيل قد يدفع تلك الأطراف إلى اعتبار أن المواجهة باتت حتمية، كما حدث في تجارب أخرى.

سيناريو المواجهة الكبرى

وفي حال اندلاع صراع واسع، فإن البحر الأسود والمتوسط وبحر إيجه قد تتحول إلى ساحات قتال قاسية، مع خسائر كبيرة في صفوف القوات البحرية. ورغم ما يُقال عن القوة العسكرية، فإن الأداء في نزاعات ضد أطراف أضعف، كما في سوريا أو ناغورنو كاراباخ، لا يعكس بالضرورة القدرة على مواجهة قوى كبرى.

كما أن استمرار الصراع مع حزب العمال الكردستاني، وعدم القدرة على إنهائه أو السيطرة الكاملة على المناطق الجبلية داخل الحدود وخارجها، يكشف حدود هذه القوة.

تفوق جوي محتمل وتحديات عسكرية

وفي مواجهة محتملة، قد تتمكن الولايات المتحدة أو إسرائيل من فرض سيطرة جوية خلال وقت قصير، ما يغيّر موازين القوى سريعًا. كما أن مشاريع مثل المقاتلة التركية “قآن” لا تزال في مراحل غير مكتملة، في حين أن الطائرات الحالية قد لا تكون كافية في مواجهة متقدمة.

العامل الأمريكي داخل تركيا

وتكمن إحدى الفوارق المهمة في أن وجود قواعد عسكرية أمريكية داخل تركيا قد يسهّل تنفيذ عمليات سريعة في حال نشوب صراع، على عكس حالات أخرى لا يتوفر فيها هذا العامل.

استهداف محتمل للقيادات والبنية العسكرية

وقد تكون القيادات السياسية والعسكرية، إلى جانب البنية التحتية العسكرية، عرضة للاستهداف المباشر في مثل هذه السيناريوهات، في ظل تطور قدرات المراقبة والاستخبارات.

توتر داخلي وخطاب متصاعد

وفي الداخل، قد تترافق هذه الأوضاع مع تصاعد الخطاب المتوتر ومحاولات للسيطرة على النقاش العام، في ظل تباين في ردود الفعل بين القلق والإنكار.

احتمال التحرك من داخل المؤسسة

ورغم ذلك، يبقى احتمال وجود شخصيات داخل المؤسسة العسكرية تضع مصلحة البلاد فوق الامتيازات الشخصية، وقد تتحرك في لحظة حاسمة لتغيير المسار.

وقد شهدت مراحل سابقة أسماء قيادات عسكرية بارزة، بعضها واجه ضغوطًا أو اختار مسارات مختلفة، في حين برزت شخصيات أخرى ضمن دوائر القرار السياسي والعسكري.

مستقبل يعتمد على لحظة حاسمة

وفي النهاية، قد يعتمد مستقبل تركيا كدولة مستقرة وقادرة على الاستمرار على ظهور مبادرات تعيد توجيه المسار، بحيث تُقدَّم المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى، مع إدراك أن تفاصيل صغيرة قد تلعب دورًا حاسمًا في نجاح أو فشل مثل هذه التحولات.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى