عـ ـوائق ممنـ ـهجة… كيف تعـ ـرقل الحكومة المؤقتة مسار الاندماج مع قسد؟

منذ الإعلان عن اتفاق 29 كانون الثاني 2026 بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا، بدا أن البلاد تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التنسيق الأمـ ـني والإداري، تمهّد لتخفـ ـيف التوتـ ـرات وتعزيز الاستقرار في البلاد. غير أن المعطيات الميدانية اللاحقة تشير إلى مسار مغاير، حيث برزت مؤشرات واضحة على وجود عوائـ ـق جدية، تلعب فيها الحكومة المؤقتة دوراً مباشراً، سواء عبر سياسات ميـ ـدانية أو إجراءات إدارية وأمـ ـنـ ـية.

خطوات أولية… ثم تعثر

في 29 كانون الثاني، تم التوصل إلى اتفاق شامل بين الطرفين، تضمّن وقف إطلاق النار، وإعادة تموضع القوات، وبدء عملية دمج المؤسسات الأمنية والإدارية، إلى جانب ضمان عودة المهجرين.

ومطلع شباط، بدأت خطوات عملية تمثلت بعقد اجتماعات تنسيقية في الحسكة وقامشلو، وإعادة انتشار للقوات في كوباني، ودخول وحدات من الأمن العام إلى بعض المناطق، إضافة إلى لقاءات بين قيادات عسكرية وأمنية من الطرفين لبحث آليات الاندماج.

كما شملت الخطوات تعيين محافظ للحسكة بالتوافق، وبدء التنسيق في ملفات خدمية كالصحة والتعليم، إلى جانب تحركات لإعادة تشغيل مطار قامشلو، والتحضير لعودة مئات العائلات المهجرة.

ولكن هذا الزخم لم يستمر طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت عقبات ميدانية حالت دون استكمال التنفيذ، خاصة في الملفات الأكثر حساسية، مثل الاندماج العسكري، ورفع الحصار عن بعض المناطق، وعودة المهجرين.

انتهاكات خلال نوروز… مؤشرات خطيرة

وتزامناً مع احتفالات نوروز في 21 آذار، سُجلت حوادث اعتداء على الكورد في مناطق مثل عفرين وحلب، شملت ضرباً وتخريب ممتلكات وإهانات ذات طابع قومي. وجرت هذه الحوادث تحت أنظار الأمن العام لدى الحكومة المؤقتة بعد أن جرى إزالة الحواجز الأمنية في هذه المناطق أمام العنصريين ما سمح بحدوثها.

وتُعد هذه الوقائع مؤشراً على خلل في ضبط الأمن، أو على الأقل غياب إجراءات كافية لمنع الانتهاكات، ما يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بحماية التعددية المجتمعية.

قرارات إدارية مثيرة للجدل

وفي 2 نيسان، أثار تعيين رئيس بلدية في بلدة جلبية بمدينة كوباني جدلاً واسعاً، حيث قوبل القرار برفض شعبي، لكونه يتعارض مع مبدأ الإدارة الذاتية الذي نص عليه الاتفاق. وتطورت الاحتجاجات إلى تجمعات شعبية، واجهتها قوات الأمن بإطلاق النار وعرقلة التغطية الإعلامية، ما زاد من حدة التوتر.

وهذا النوع من القرارات يعكس، وفق مراقبين، توجهاً لفرض واقع إداري من طرف واحد، بدلاً من الالتزام بروح التفاهمات المشتركة، ما يضعف فرص نجاح الاندماج المؤسسي واستمر ذلك بتعيين مسؤول عن منطقة كوباني لا يجيد التحدث باللغة الكوردية جيداً فقط أصوله تعود إلى كوباني وهو لم يعش فيها ولا يعلم شيئاً عن عادات وتقاليد سكانها وهو بالأساس من مناصري الحكومة المؤقتة.

حي الشيخ مقصود… نموذج للتصعيد

ويُعد حي الشيخ مقصود في مدينة حلب أحد أبرز الأمثلة على التوتر المتصاعد. ففي 10 نيسان، شهد الحي حملة اعتقالات طالت شباناً كورد وامرأة، عقب حادثة مرتبطة برفع رموز كوردية خلال احتفالات نوروز. ورغم أن الحادثة بدأت بشكل فردي، إلا أن رد الفعل الأمني كان واسعاً، ما يؤكد وجود نهج منظم وليس مجرد تصرف عابر.

وتصاعدت الأحداث بعد قيام قوات الحكومة المؤقتة بإزالة الرموز، لتتبع ذلك ملاحقة أحد الشبان واعتقال والدته، قبل تنفيذ حملة اعتقالات شملت أربعة شبان آخرين. هذه الإجراءات أثارت استياءً واسعاً، واعتُبرت مؤشراً على سياسة تضييق ممنهجة، تُقوّض الثقة بين الأطراف المعنية بالاتفاق.

ملف الأسرى… بطء يثير الشكوك

كما يُعد ملف الأسرى من أبرز القضايا العالقة، حيث ورغم تنفيذ بعض عمليات التبادل، لا يزال التقدم بطيئاً. فاليوم (11 نيسان)، جرى الإفراج عن الدفعة الثالثة للأسرى والتي تضم 400 أسير، ضمن بنود الاتفاق، إلا أن العدد الإجمالي للمحتجزين، والذي يقدّر بنحو 1070 أسيراً، ما يزال كبيراً وفق ما كشف عنه القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في لقاء مع عوائل الأسرى خلال شهر آذار الفائت.

وتماطل الحكومة المؤقتة في الإفراج عن الأسرى المدنيين والعسكريين الذين جرى احتجازهم أثناء تطبيق بنود الهدنة في دير حافر خلال عملية إعادة تموضع قوات سوريا الديمقراطية، وهذا ما يعزز الانطباع بوجود تردد أو غياب جدية كافية في إغلاق هذا الملف من قبل الحكومة المؤقتة. ويُسهم هذا التباطؤ في زيادة التوتر وانعدام الثقة، خصوصاً لدى عائلات الأسرى.

عودة المهجرين… اختبار آخر لم يكتمل

إلى جانب ذلك يعتبر عودة المهجرين إحدى البنود التي تماطل فيها الحكومة المؤقتة، حيث جرى حتى الآن عودة دفعتين من العوائل المهجرة إلى مدينة عفرين، حيث بلغ عدد العوائل في الدفعتين 600 عائلة فقط في حين لا تزال آلاف العائلات المهجرة من هذه المدينة تنتظر العودة وسط وعود بعودة آمنة يجري تأجيلها بين الحين والآخر، إذ كان مقرراً أن تعود الدفعة الثالثة يوم الأربعاء الفائت (8 نيسان) ولكن جرى تأجيلها لأسباب مجهولة.

فيما لا يزال مهجرو مدينة رأس العين وتل أبيض ينتظرون العودة ولم توفر الحكومة المؤقتة التي تسيطر على تلك المناطق أدنى شروط العودة، إذ لا تزال منازل المهجرين مستولى عليها من قبل عناصر السلطة ومواليها ولم يتم إفراغها ولم يتم اتخاذ أي خطوات جدية في هذا السياق.

وخلال عام 2018 شنت تركيا برفقة فصائل الجيش الوطني التي انضمت إلى صفوف وزارة الدفاع لدى الحكومة المؤقتة هجوماً على مدينة عفرين وسيطرت عليها وفي عام 2019 عاودت تلك الأطراف شنت الهجمات على مدينتي رأس العين وتل أبيض. وجرى خلال الهجومين تهجير أكثر من نصف مليون كوردي من ديارهم قسراً لا يزالون ينتظرون العودة إلى ديارهم وسط غياب خطوات عملية واضحة.

بين النص والتطبيق

ورغم أن اتفاق 29 كانون الثاني تضمّن بنوداً واضحة، تشمل وقف إطلاق النار، وإعادة الانتشار، ودمج المؤسسات، وعودة المهجرين، إلا أن التنفيذ على الأرض لا يعكس هذه الالتزامات بشكل كامل. بل على العكس، تشير التطورات إلى فجوة متزايدة بين ما تم الاتفاق عليه وما يجري تطبيقه فعلياً.

وتُظهر المعطيات أن مسار الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة يواجه تحديات جدية، تتجاوز التعقيدات التقنية إلى ما يبدو أنه نهج سياسي وأمني يعرقل التنفيذ. فبين حملات الاعتقال، والقرارات الإدارية الأحادية، والتباطؤ في ملف الأسرى، والانتهاكات الميدانية، تتراجع فرص بناء الثقة اللازمة لإنجاح الاتفاق.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الاستقرار في البلاد مرهوناً بمدى قدرة الأطراف على تجاوز هذه العقبات، والالتزام الحقيقي ببنود الاتفاق، بعيداً عن السياسات التي تعمّق الانقسام وتؤخر الوصول إلى حلول مستدامة.

 

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى