حكومة دمشق ومعـ ـضلة معتـ ـقلي العراق: هل تصـ ـفي “كتلة الشرقية” حساباتها القديمة؟

تشهد مناطق دير الزور، الرقة، وريف حمص الشرقي (البادية) مـ ـوجـ ـة غـ ـلـ ـيان شعبي غير مسبوقة، تتجاوز في أبعادها سوء الخدمات لتلامس ملفات وجـ ـودية تتعلق بمصـ ـير المئات من أبنائها المعتـ ـقلين في السجـ ـون العراقية. هذا الملف، الذي بات يهـ ـدد السلم الأهلي، يفتح الباب على صـ ـراعـ ـات نفـ ـوذ داخل هـ ـرم السلطة في دمشق وتصـ ـفـ ـيات لحسـ ـابات عشائرية تعود لسنوات الحـ ـرب الأولى.
فوسط تعتيم إعلامي يتصاعد الاستياء في مناطق حوض الفرات والبادية تنديداً بنقل التحالف الدولي معتقلين سوريين (بتهمة الانتساب لداعش) إلى العراق. حيث كشفت مصادر حقوقية في بغداد بأن السلطات العراقية بدأت مراجعة شاملة لملفات هؤلاء المعتقلين، وسط تسريبات تؤكد صدور أحكام بالإعدام بحق عدد من المدانين منهم، مما دفع الأهالي لتهديد حكومة دمشق بتصعيد ميداني واسع ما لم تتدخل لاستعادة السجناء ومحاكمتهم داخل الأراضي السورية.
ويرى الباحث المتخصص بشؤون الجماعات المتطرفة سعدون الدليمي، أن “الجانب العراقي يبدي توجساً من عودة هؤلاء؛ إذ تخشى بغداد من أن السلطة في دمشق قد تتبع نهجاً متساهلاً معهم لأغراض سياسية أو لضمان ولاءات عشائرية”.
ويستند هذا التخوف بحسب الدليمي إلى تقارير كشفت سابقاً عن تسهيل جهات أمنية سورية لهروب عوائل التنظيم من مخيمات كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مما يجعل بغداد تنظر للترحيل كخطر أمني قد يعيد إحياء خلايا التنظيم على الحدود المشتركة.
وبحسب مراقبين يزيد من تعقيد المشهد وجود ما يعرف بـ “كتلة الشرقية” التي تتبوأ اليوم مفاصل حساسة في العاصمة دمشق تحت قيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
هذه الكتلة التي تضم قيادات كانت في قلب التحولات الميدانية منذ سنوات، تُتهم من قبل ذوي المعتقلين في السجون العراقية بتعمد إهمال ملف أبنائهم لتصفية حسابات قديمة. ويمكن رصد ثقل هذه الشخصيات كالتالي: حسين السلامة: مسؤول جهاز المخابرات؛ مظهر الويس: وزير العدل والشرعي في هيئة تحرير الشام؛ ويوسف الهجر: القيادي الميداني النافذ ضمن الهيئة.
ويشير الناشط غياث الشعيطي إلى أن العداء بين هذه الشخصيات وعشائر المعتقلين يعود للفترة التي شهدت صراعات دامية بين فصائل “جبهة النصرة” و”داعش” وبين العشائر المحلية. ويقول الشعيطي إن، “هذا الثأر السياسي المغلف بغطاء الدولة يمنع أي تحرك جاد لاستعادة المعتقلين في العراق، حيث يُنظر للملف كفرصة لإضعاف الخصوم المحليين تاريخياً”.
ولا ينفصل الغضب الشعبي عن الواقع الإداري؛ حيث يسود استياء عارم من تعيين مسؤولين ينحدرون من محافظة إدلب لإدارة مناطق الشرق والبادية. هؤلاء المسؤولون، بحسب الشعيطي، “ينظرون لدير الزور والرقة كحواضن دائمة لداعش، مما كرس سياسة الإهمال الخدمي المتعمد والقبضة الأمنية الخشنة، وعمق الفجوة بين السكان والسلطة المركزية”.
ويؤكد مختصون أن هذا المزيج من “الظلم القضائي” و”الإقصاء الإداري” يحول ريف حمص الشرقي وبادية دير الزور والرقة إلى مساحات رخوة بامتياز.
يقول الباحث في مركز ماري للدراسات الدكتور حمزة خلف المحمود، إن “تورط أقسام من أبناء العشائر مع الميليشيات الإيرانية مقابل انخراط آخرين مع داعش، خلق شرخاً اجتماعياً تستغله خلايا التنظيم لترميم صفوفها وتصوير نفسها كمدافع وحيد عن المكون السني في وجه إهمال دمشق”.
ويشير المحمود إلى أن الحكومة الانتقالية في دمشق، وبعد أن أصبحت جزءا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، قد تجد في بقاء هؤلاء المعتقلين في العراق “تخفيفاً للأعباء الأمنية والسياسية” بعيداً عن أراضيها.
ويتابع، “هذا التكتيك يضع السلطة الجديدة أمام اختبار حقيقي لسيادتها؛ فالتضحية بالحاضنة الشعبية في الشرق مقابل التخلص من عبء المعتقلين قد يؤدي إلى خسارة استراتيجية للمنطقة الغنية بالثروات، وفتح الباب لعودة الفوضى تحت رايات متطرفة مجدداً”.
في المحصلة، تجد الحكومة الانتقالية في دمشق نفسها أمام معضلة بنيوية؛ فملف “معتقلي العراق” ليس مجرد إجراء قانوني حدودي، بل هو مرآة تعكس عمق الانقسام بين مراكز القوى في السلطة وبين العشائر في البادية والفرات المنهكة. وبينما تحاول الحكومة الانتقالية تثبيت أقدامها كلاعب شرعي في التحالف الدولي، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرتها على ضبط الملفات الأمنية المتفاقمة قبل أن تتحول المساحات الرخوة في الشرق إلى ثقب أسود يبتلع استقرار العاصمة.



