تفكـ ـيك الزعامات العشائرية في سوريا.. دمشق تعيد هندسة النفـ ـوذ وتضـ ـرب البنى التقليدية
توجه لاستهداف مشيخة قبيلة الجبور أيضاً

تشهد سوريا تصـ ـاعداً ملحوظاً في الجـ ـدل حول مستقبل البنية العشائرية ودور الزعامات التقليدية، في ظل اتهـ ـامـ ـات متزايدة لسلـ ـطة دمشق المؤقتة بالعمل على إعادة تشكيل المشهد العشائري بطريقة ممنـ ـهجة، تستهـ ـدف تفـ ـكيك مراكز النفـ ـوذ التاريخية وإعادة إنتاجها بما يتماشى مع مصالحها السياسية والأمـ ـنية.
وفي هذا السياق، برزت قضية قبيلة شمر كنموذج بارز لهذه التحولات، عقب الإعلان عن تنصيب المدعو سيف الجربا شيخاً للقبيلة خلال اجتماع في قرية الفسطاط بريف القامشلي.
وقوبلت هذه الخطوة برفض واسع داخل أوساط أبناء القبيلة ووجهائها، الذين اعتبروا أن ما جرى لا يعكس إجماعاً عشائرياً حقيقياً، بل يمثل تدخلاً مباشراً في البنية الداخلية للقبيلة ومحاولة لإعادة هندسة زعامتها.
ويأتي هذا التطور في ظل استمرار الشيخ مانع حميدي دهام الهادي في موقعه كشيخ لقبيلة شمر منذ أواخر عام 2022، بعد توليه المشيخة عقب وفاة والده الشيخ حميدي دهام الهادي في 10 تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته. وقد شكّل انتقال الزعامة إليه امتداداً طبيعياً للعرف العشائري القائم، حيث واصل أداء دور اجتماعي وسياسي داخل مناطق شمال وشرق سوريا، وشارك في لقاءات سياسية بارزة، من بينها زيارته إلى دمشق في تشرين الثاني 2025 ولقاؤه مع رئيس سلطة دمشق المؤقتة أحمد الشرع، والتي ناقشت ملفات العشائر ومسار التفاهمات العامة في المنطقة.
غير أن التطورات اللاحقة تشير—وفق مصادر عشائرية—إلى أن إعادة طرح أسماء بديلة للزعامة لم تكن بمعزل عن اعتبارات سياسية أوسع، بل ارتبطت بمحاولات السلطة إعادة توزيع النفوذ داخل القبيلة، خاصة في ظل الخلافات حول إدارة الموارد الاقتصادية ومناطق السيطرة، بما في ذلك ملفات حساسة مثل آبار النفط، وهو ما يُنظر إليه كأحد العوامل التي ساهمت في تعميق الانقسام داخل البيت الشمري.
وفي المقابل، لا يحظى الشيخ المُعلن سيف الجربا بإجماع داخل قبيلة شمر، حيث تبرز منافسة واضحة من شخصيات أخرى داخل القبيلة، من بينها مانع حميدي وأحمد أحمد الجربا، ما يعكس حالة تباين داخلي غير مسبوقة، وتراجع آليات التوافق التقليدية التي كانت تنظّم انتقال الزعامة.
ولا تقف ممارسات سلطة دمشق المؤقتة عند حدود قبيلة شمر، إذ تتحدث معطيات محلية عن توجه مشابه يستهدف قبيلة الجبور، عبر محاولة إعادة توزيع المشيخة من آل المسلط إلى آل حماد الأسعد، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع كجزء من سياسة أوسع لإعادة تشكيل البنية العشائرية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن استراتيجية أوسع لسلطة دمشق المؤقتة، تقوم على تفكيك الزعامات العشائرية ذات النفوذ الاجتماعي الواسع، واستبدالها بقيادات أكثر ارتباطاً بالسلطة وأقل استقلالية في القرار. ويشير هؤلاء إلى أن الهدف الأساسي من هذه السياسة يتمثل في تقليص قدرة العشائر على لعب دور سياسي مستقل، وتحويلها إلى أدوات وظيفية ضمن ترتيبات النفوذ الجديدة.
كما يُنظر إلى هذه السياسات باعتبارها محاولة لإضعاف البنى الاجتماعية التقليدية التي تشكلت عبر عقود طويلة، واستبدالها بهياكل قيادية قابلة للضبط والسيطرة، بما يسهم في تعزيز نفوذ السلطة على الأرض، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد أو ذات الأهمية الجغرافية والأمنية.
ويحذر ناشطون ومراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تعميق الانقسام داخل القبائل العربية، وإحداث شرخ في النسيج الاجتماعي، بما ينعكس سلباً على الاستقرار العام، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تعزيز التوافقات بدل إعادة إنتاج الصراعات الداخلية.
في المحصلة، تبدو قضية إعادة تشكيل الزعامات العشائرية في سوريا جزءاً من صراع أوسع على النفوذ، تتداخل فيه السياسة بالعشيرة والاقتصاد، وسط اتهامات متصاعدة لسلطة دمشق المؤقتة بمحاولة إعادة هندسة المجتمع المحلي بما يخدم مصالحها، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة القبائل واستقرارها التاريخي.



