دمشق على صفيح ساخن… اعتـ ـصام “قانون وكرامة” يضع السلـ ـطة أمام اختبار حقيقي

تشهد العاصمة السورية دمشق تصـ ـاعداً ملحوظاً في الدعوات الشعبية لتنظيم اعتـ ـصام سلمي تحت شعار “قانون وكرامة”، والمقرر انطلاقه يوم غدٍ الجمعة 17 نيسان في ساحة يوسف العظمة، في خطوة تعكس تنامي حـ ـالة الاحتـ ـقان الشعبي نتيجة التـ ـدهـ ـور المتسارع في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية في مختلف القطاعات.

ويأتي هذا الحراك بدعوة من ناشطين ومبادرات مدنية، في محاولة لتوحيد مطالب الشارع ضمن إطار سلمي ومنظم، يركز على قضايا تمس الحياة اليومية للمواطنين، وعلى رأسها غلاء المعيشة، وتدني الأجور، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب المطالبة بإصلاحات سياسية وإدارية تعيد الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

مطالب معيشية ملحّة في صدارة المشهد

وتتركز أبرز مطالب الدعوة على وقف أي زيادات جديدة في الأسعار والرسوم قبل تصحيح الأجور، وربط الرواتب بمؤشر معيشة واقعي، في ظل اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة. كما شددت على ضرورة إعادة النظر في تعرفة الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والمحروقات، بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين، لا وفق سياسات الجباية التي باتت تثقل كاهلهم.

وتضمنت المطالب أيضاً مكافحة الاحتكار وضبط الأسواق، في ظل فوضى تسعير غير مسبوقة، إضافة إلى حماية الخدمات العامة من الخصخصة، واعتبارها حقوقاً أساسية لا يجوز المساس بها دون شفافية ومحاسبة واضحة.

أزمة ثقة وإشكاليات بنيوية في الإدارة

وتعكس بنود الدعوة حالة عميقة من فقدان الثقة في آليات الإدارة العامة، حيث يطالب الداعون للاحتجاج باعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في التعيينات، ووقف المحسوبيات التي يرون أنها تكرّس الفساد وتضعف مؤسسات الدولة. كما برزت مطالب بانتخاب مجالس محلية حقيقية، وتعزيز دورها في تمثيل المواطنين، مقابل تقليص الصلاحيات المركزية.

وفي السياق ذاته، شددت الدعوة على ضرورة بناء قضاء مستقل ونزيه، واعتماد الشفافية في اتخاذ القرارات، باعتبارها ركائز أساسية لأي عملية إصلاح حقيقية، إلى جانب المطالبة بإجراء انتخابات حرة للنقابات والمؤسسات الاقتصادية.

البعد الحقوقي والسياسي للحراك

ولم تقتصر المطالب على الجانب المعيشي، بل شملت أيضاً ملفات سياسية وحقوقية، من بينها رفض التعدي على الحريات العامة، والتراجع عن القرارات التي تكرّس التمييز، لا سيما على أسس مناطقية أو طائفية. كما دعت المطالب إلى تفعيل مسار العدالة الانتقالية، وتهيئة الظروف لعملية انتقال سياسي حقيقية تضمن مشاركة أوسع لمختلف مكونات المجتمع.

وتضمنت المطالب كذلك إعادة النظر في قرارات التسريح الوظيفي، وإعادة المفصولين الذين لم تثبت إدانتهم، إضافة إلى وقف إجراءات الاستملاك وإخلاء العقارات التي أثارت جدلاً واسعاً في عدة مناطق، لما لها من انعكاسات مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

ويأتي هذا الحراك في ظل واقع سوري معقد، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع التحديات الأمنية والسياسية. ففي العديد من المناطق، لا تزال مشكلات نقص الخدمات الأساسية، مثل الخبز والمحروقات والكهرباء، تشكل عبئاً يومياً على السكان، بينما تتزايد معدلات البطالة والفقر بشكل ملحوظ.

بين الاحتجاج والإصلاح

ويعكس اعتصام “قانون وكرامة” تحوّلاً في طبيعة الحراك الشعبي، من احتجاجات متفرقة إلى محاولة صياغة خطاب جامع يربط بين المطالب المعيشية والإصلاحات السياسية. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا الحراك مرهوناً بمدى استجابة سلطة دمشق المؤقتة، وقدرتها على التعامل مع هذه المطالب بجدية، بعيداً عن الحلول المؤقتة أو الإجراءات الشكلية.

في المحصلة، يبدو أن الشارع السوري، وخصوصاً في دمشق، يدخل مرحلة جديدة من التعبير عن مطالبه، في ظل ضغوط معيشية غير مسبوقة، ما يجعل من هذا الاعتصام اختباراً مهماً لطبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، ولمستقبل الإصلاح في البلاد.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى