الطابو العثماني في مواجهة الملكية السورية… هل تُعاد صياغة النفـ ـوذ عبر بوابة العقارات؟

تفتح التطورات الأخيرة المرتبطة بطلب سجلات الأوقاف العثمانية باباً واسعاً للنقاش حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في سوريا، وهي مسألة الملكية العقارية ومرجعيتها القانونية. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة: هل يمكن للطابو العثماني أن يلـ ـغي أو يتجاوز الطابو السوري الحديث؟ أم أن ما يجري يتجاوز الإطار القانوني ليصل إلى إعادة تشكيل موازين السيـ ـطرة والنفـ ـوذ داخل البلاد؟

سلطة دمشق المؤقتة تطلب سجلات الوقف العثماني

أثار تصريح صادر عن أحد مسؤولي وزارة الأوقاف لدى سلطة دمشق المؤقتة حالة من الجدل الواسع، بعد الكشف عن قيام الوزارة بمخاطبة رئاسة الشؤون الدينية التركية وطلب تزويدها بنسخ من سجلات الوقف العثماني الخاصة بمدن دمشق وحلب وحماة. وقد اعتبر مراقبون هذه الخطوة مثيرة للقلق، لما تحمله من أبعاد قانونية وعقارية حساسة، ولما تفتحه من تساؤلات حول دوافعها الحقيقية وخلفياتها.

ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام محلية، بررت الوزارة هذا الإجراء بأنه يأتي في إطار السعي للحصول على وثائق تاريخية تتعلق بالعقارات الوقفية العائدة إلى الحقبة العثمانية، بهدف تثبيت صفتها الوقفية وإعادة تنظيم السجلات المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، أشارت الوزارة إلى أنها تمتلك عدداً كبيراً من العقارات المسجلة باسم الأوقاف، لافتة إلى أن جزءاً مهماً من الأسواق القديمة في دمشق يندرج ضمن هذه الملكيات، بما في ذلك أكثر من نصف سوق الحميدية، إضافة إلى أسواق تاريخية أخرى مثل مدحت باشا والبزورية والمناخلية وباب سريجة، فضلاً عن ممتلكات مماثلة في مدن حلب وحماة وحمص واللاذقية.

هل الطابو العثماني يلغي الطابو السوري الحديث؟

من الناحية القانونية البحتة، تستند الملكية العقارية في سوريا إلى منظومة حديثة قائمة على سجلات رسمية موثقة لدى المصالح العقارية، وهي نتاج تطور إداري وقانوني طويل منذ نهاية الاحتلال العثماني. إلا أن استدعاء الأرشيف العثماني، وخاصة سجلات الوقف، يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بتعارض المرجعيات، إذ يمكن أن تُستخدم هذه الوثائق لإعادة توصيف بعض العقارات على أنها “وقفية”، رغم انتقال ملكيتها عبر عقود من البيع والشراء والتوارث.

هذا الطرح يهدد بإحداث تصادم مباشر بين نظامين قانونيين: أحدهما حديث ومستقر نسبياً، والآخر تاريخي قد يُعاد تفعيله بقراءة انتقائية، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية معقدة قد تطال آلاف العقارات، خاصة في الأسواق القديمة.

في سوريا… مالك يفقد صفة الملكية فجأة

أحد أخطر أبعاد هذه القضية يتمثل في احتمال أن يجد مالكون أنفسهم فجأة خارج دائرة الملكية، رغم امتلاكهم وثائق رسمية حديثة. فوفق ما يُتداول، قد يُفرض على أصحاب المحال والعقارات خياران قاسيان: إما القبول بعقود إيجار جديدة وفق أسعار مرتفعة، أو الإخلاء الفوري.

هذا الواقع يعكس تحوّلاً خطيراً، حيث لا تعود الملكية محمية بوثائقها الحديثة، بل تصبح عرضة لإعادة التفسير وفق سجلات تاريخية، ما يعني عملياً أن الملكية لم تعد حقاً مستقراً، بل وضعاً قابلاً للطعن والتغيير.

القضية ليست إثبات ملكية… بل نية سيطرة

رغم التبريرات الرسمية التي تتحدث عن “تنظيم السجلات” و”تثبيت الحقوق الوقفية”، يرى مراقبون أن جوهر المسألة لا يتعلق بإثبات الملكية بقدر ما يرتبط بإعادة فرض السيطرة على العقارات ذات القيمة الاقتصادية العالية، خاصة في مراكز المدن والأسواق التاريخية.

فحين يُعاد فتح ملفات تعود إلى قرون مضت، في بيئة قانونية هشة تعاني من ضعف الأرشفة وغياب التشريعات الناظمة، يصبح من الصعب فصل البعد القانوني عن الأهداف السياسية والاقتصادية. وهنا تبرز المخاوف من أن تكون هذه الخطوة جزءاً من نهج أوسع يهدف إلى إعادة توزيع النفوذ داخل السوق المحلي.

هل تتحول الأدوات القانونية إلى أدوات نفوذ خارجي؟

ويثير التعاون مع جهات خارجية للحصول على سجلات الأوقاف تساؤلات عميقة حول السيادة القانونية. فبدلاً من الاعتماد على الأرشيف المحلي، الذي يضم آلاف السجلات الشرعية والعثمانية المحفوظة داخل سوريا، يتم اللجوء إلى مصادر خارجية، ما يفتح الباب أمام تدخلات تتجاوز الإطار التقني.

هذا المسار يطرح احتمالاً خطيراً يتمثل في تحويل أدوات قانونية، مثل الأرشيف الوقفي، إلى وسيلة لتعزيز نفوذ خارجي داخل البنية الاقتصادية السورية. فالحصول على وثائق تاريخية من خارج البلاد، واستخدامها لإعادة ترتيب الملكيات، قد يؤدي إلى خلق واقع جديد تتحكم فيه أطراف غير محلية بشكل غير مباشر.

استدعاء الأرشيف العثماني… سياق يتجاوز القانون

ولا يمكن فصل استدعاء الأرشيف العثماني عن السياق الإقليمي الأوسع. فهذه الخطوة لا تبدو مجرد إجراء إداري، بل قد تُفهم ضمن إطار محاولة استعادة نفوذ تاريخي عبر أدوات “ناعمة”، تعتمد على القانون والوثائق بدلاً من القوة المباشرة.

ويعزز هذه المخاوف تزامن هذه التحركات مع نشاطات اقتصادية داخلية تهدف إلى استملاك عقارات وأراضٍ، ما يشير إلى وجود ترابط بين المسار القانوني والمسار الاقتصادي، في اتجاه إعادة تشكيل خريطة الملكية.

خطة ممنهجة لإعادة توزيع الملكية؟

وتشير المعطيات إلى احتمال وجود خطة أوسع تقوم على استملاك الأراضي عبر الاستناد إلى توثيقات قديمة، بالتوازي مع عمليات شراء داخلية. ولا يقتصر الخطر هنا على “تتريك الملكية” أو نقلها إلى جهات خارجية، بل يمتد إلى إعادة توزيعها داخلياً، بما يخدم مصالح شبكات اقتصادية جديدة.

هذا السيناريو يعني أن الأسواق التاريخية، التي تشكل قلب النشاط التجاري في مدن مثل دمشق، قد تشهد تحولاً جذرياً في بنيتها، حيث يتم إقصاء المالكين التقليديين لصالح فاعلين جدد، ما يؤدي إلى تغيير الطابع الاقتصادي والاجتماعي لهذه المناطق.

الأرشيف المحلي… الغائب الحاضر

المفارقة أن سوريا تمتلك بالفعل أرشيفاً غنياً يضم آلاف السجلات العثمانية والشرعية، إلا أن ضعف تنظيم هذا الأرشيف وغياب قانون حديث ينظمه جعلاه عرضة للإهمال والتهميش. هذا الواقع يثير تساؤلات حول أسباب تجاهل هذه المصادر المحلية، واللجوء بدلاً منها إلى وثائق خارجية.

كما أن هشاشة منظومة الأرشفة تزيد من مخاطر التلاعب أو التزوير، خاصة مع الحديث عن تدريب كوادر على التعامل مع هذه السجلات، ما قد يمهد لإعادة صياغة الوثائق بما يخدم أهدافاً محددة.

بين القانون والسيادة

وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذه القضية على أنها مجرد خلاف قانوني حول ملكية عقارات، بل هي مسألة تمس جوهر السيادة الاقتصادية والاجتماعية في سوريا. فاستدعاء الطابو العثماني، إذا ما تم توظيفه لإعادة ترتيب الملكيات، قد يؤدي إلى تقويض الثقة بالنظام القانوني، وإحداث تغييرات عميقة في بنية السوق.

وبينما يبقى الهدف المعلن هو “تنظيم السجلات”، فإن المخاوف الحقيقية تكمن في أن تتحول هذه العملية إلى أداة لإعادة تشكيل النفوذ، سواء داخلياً أو عبر بوابات خارجية، ما يجعل من ملف العقارات أحد أبرز ميادين الصراع غير المعلن في المرحلة الراهنة.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى