“قانون وكرامة” في دمشق… احتـ ـجاجات معيشية تواجـ ـه حمـ ـلات تخـ ـوين وتصـ ـعيداً مقـ ـلقاً

شكّلت تظاهرة 17 نيسان في العاصمة دمشق، التي رُفعت فيها شعارات “قانون وكرامة”، محطة لافتة في المشهد السوري الراهن، حيث خرج عشرات المواطنين للتعبير عن تدهـ ـور أوضاعهم المعيشية في ظل ما وصفوه بفـ ـشل السلـ ـطة في تقديم حلول اقتصادية حقيقية منذ سقـ ـوط النظام السابق. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية وشهادات مشاركين، فقد عكست التظاهرة حالة من الاحتقـ ـان الشعبي المتصاعد، مقابل ردود فعل اتسـ ـمت بالتـ ـشـ ـدد والتخـ ـوين، سواء عبر الفضاء الإلكتروني أو على الأرض.
معاناة يومية… أصوات من الشارع
وروى مشاركون في التظاهرة تفاصيل صادمة عن واقعهم الاقتصادي. إحدى الموظفات أكدت أن التفاوت في الرواتب بات صارخاً، مشيرة إلى أن موظفين جدد تم تعيينهم من قبل السلطة الحالية يتقاضون ما بين 500 و800 دولار شهرياً، في حين لا يتجاوز راتبها، كموظفة قديمة، 100 دولار. وأضافت أن فاتورة الكهرباء التي تتلقاها شهرياً تتجاوز دخلها بالكامل، ما يجعلها عاجزة عن تغطية أبسط احتياجاتها.
وفي شهادة أخرى، قال رجل مسن إنه خرج إلى الشارع “ضد الجوع”، موضحاً أنه يدفع نحو 700 ألف ليرة سورية شهرياً كبدل إيجار، وهو مبلغ يفوق قدرته بكثير، في ظل غياب أي دعم أو حلول، عدا عن ارتفاع أسعار الغذاء بشكل مستمر.
هذه الشهادات تعكس واقعاً واسع الانتشار، حيث تتآكل القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق، بينما تغيب أي سياسات واضحة لضبط الأسعار أو دعم الفئات الأكثر هشاشة.
أما إحدى المشاركات، فقد عبّرت عن استيائها من تعامل بعض الموالين للسلطة معها خلال التظاهرة، مشيرة إلى أنها تعرضت لتحرش لفظي، وقالت إن السوريين “لم يغيروا النظام السابق بأنفسهم، بل جاءت التغييرات بفعل عوامل دولية” وقالت إن “أمريكا هي من غيرت النظام السابق وليس الجولاني” وهو الاسم الذي كان يتخذه رئيس سلطة دمشق المؤقتة أحمد الشرع عندما كان يقود هيئة تحرير الشام، في إشارة إلى رفضها الخطاب الرسمي الذي يحاول احتكار “شرعية التغيير”.
كما لخّص أحد المشاركين حالة الاحتقان بقوله: “التهمة جاهزة… كل من يطالب بحقه يُتهم بأنه فلول”، في إشارة إلى استخدام توصيفات سياسية لتشويه أي تحرك احتجاجي.
إجراءات أمنية… تقييد للحركة ومنع غير مباشر
وتزامناً مع موعد الاعتصام، شهدت مداخل العاصمة دمشق إجراءات أمنية مشددة، حيث أفادت مصادر محلية بأن قوات الأمن العام أقامت حواجز مؤقتة على الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة، شملت مناطق قدسيا ويعفور والصبورة. ووفقاً للمعلومات، جرى إيقاف العديد من المواطنين ومنعهم من دخول دمشق، ما حال دون مشاركة عدد منهم في التظاهرة.
وأثارت هذه الإجراءات حالة من الاستياء، إذ اعتبرها السكان محاولة لتقليص حجم الاحتجاج ومنع امتداده، خاصة أنها استمرت حتى انتهاء الاعتصام، قبل أن تُرفع تدريجياً. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تعكس حساسية السلطة تجاه أي تحرك شعبي، حتى وإن كان سلمياً.
حملات تخوين… “ذباب إلكتروني” واستهداف مباشر للمتظاهرين
وفي موازاة ما جرى على الأرض، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي حملة واسعة ضد المشاركين في التظاهرة. ووفق ما تداولته وسائل إعلام ومتابعون، فإن هذه الحملات اتخذت طابعاً منظماً، حيث تم توجيه اتهامات بالخيانة والعمالة للمتظاهرين، مع استخدام خطاب حاد يهدف إلى تشويه صورتهم.
وتحدثت تقارير عن دور لما وُصف بـ”الذباب الإلكتروني”، الذي قيل إنه موجّه من قبل شخصيات رسمية وأبرزها وزير الخارجية لدى سلطة دمشق المؤقتة أسعد الشيباني، في شن هجمات ممنهجة على الناشطين، وصلت في بعض الحالات إلى الإساءة الشخصية والطعن في شرف النساء المشاركات، في محاولة لردعهن عن المشاركة في أي حراك مستقبلي.
هذا النوع من الخطاب، بحسب مراقبين، يعكس توجهاً لتقويض أي حراك مدني عبر الضغط النفسي والاجتماعي، بدلاً من التعامل مع المطالب المطروحة بجدية.
مخاوف من التصعيد… وحديث عن “شبيحة” وتحركات مقلقة
إلى جانب الحملات الإعلامية، جرى تداول معلومات عن تحركات لمجموعات وصفت بأنها “شبيحة” قادمة من مناطق مثل دير الزور والرقة وإدلب، بهدف قمع التظاهرة. وتشير بعض الروايات إلى أن هذه المجموعات كانت تحمل أسلحة بيضاء وترفع شعارات ذات طابع ديني متشدد.
ويعكس تداول هذه المعلومات، مستوى القلق لدى الشارع من احتمال استخدام القوة غير الرسمية في مواجهة الاحتجاجات، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر والانقسام خصوصاً أن مستشار رئيس السلطة المؤقتة المدعو موفق زيدان دعا إلى مظاهرة مضادة في ذات توقيت المظاهرة التي خرج فيها المواطنون للمطالبة بحقوقهم في أسلوب مشابه تماماً للأسلوب الذي كان يتبعه نظام بشار الأسد وشبيحته مع المتظاهرين السوريين خلال السنوات الماضية من الأزمة.
أزمة ثقة… وانتقادات حادة لكفاءة السلطة
في خلفية هذا المشهد، تبرز أزمة ثقة عميقة بين الشارع والسلطة الحالية، حيث يرى منتقدون أن السلطة لم تنجح حتى الآن في تقديم رؤية اقتصادية متكاملة، أو اتخاذ خطوات فعالة لمعالجة الأزمات المتراكمة. ويعتبر هؤلاء أن غياب الكفاءات والخبرات في إدارة الدولة ينعكس بشكل مباشر على الأداء العام، خصوصاً أن السلطة تعتمد على الولاء في التعيين وليس الكفاءة.
وتؤكد الانتقادات أن السلطة الحالية غير قادرة على إدارة ملفات معقدة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو الأمني، خاصة في ظل التداخلات الإقليمية والدولية التي تحيط بالملف السوري. ويرى مراقبون أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب خبرات مؤسساتية ورؤية استراتيجية، وهي عناصر لا تزال غائبة لدى السلطة.
احتجاجات مفتوحة على احتمالات متعددة
وتعكس تظاهرة “قانون وكرامة” في دمشق تحوّلاً في المزاج الشعبي، حيث لم تعد المطالب تقتصر على تحسين الخدمات، بل باتت تشمل انتقادات مباشرة لأداء السلطة وطبيعة إدارتها للمرحلة. وفي المقابل، فإن ردود الفعل التي اتسمت بالتخوين والتضييق، سواء عبر الحواجز الأمنية أو الحملات الإعلامية، قد تسهم في تعميق الفجوة بين الطرفين.
وبين معاناة المواطنين اليومية، وغياب الحلول الاقتصادية، وتصاعد الخطاب المتشدد، يبدو أن المشهد السوري يتجه نحو مرحلة أكثر حساسية، حيث قد تتكرر مثل هذه الاحتجاجات في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه، ما لم يتم فتح قنوات حوار حقيقية والاستجابة للمطالب الأساسية للشارع.



