مساعي حكومية لفرض السيطرة على القصر العدلي في الحسكة تفـ ـجّر الخلاف مع الإدارة الذاتية

شكّلت زيارة وفد من وزارة العدل في الحكومة المؤقتة إلى مدينة القامشلي نقطة انطلاق لتصعيد جديد في الخلاف بين الإدارة الذاتية وحكومة دمشق، على خلفية ملف القصر العدلي في محافظة الحسكة، في مشهد يعكس تعقيدات العلاقة بين الطرفين وحدود التفاهمات القائمة بينهما.
الوفد، الذي ترأسه النائب العام حسان التربة وضم شخصيات رسمية من بينها مدير إدارة السجون زياد أبو راس، وصل إلى مبنى ديوان العدالة الاجتماعية بهدف مناقشة آليات “الاندماج المؤسساتي”. إلا أن مجريات الاجتماع، وفق المعطيات، كشفت عن توجه واضح لفرض أجندة حكومية تقوم على السيطرة الكاملة على القصر العدلي، عبر تعيين كوادر موالية، بينهم شخصيات ذات خلفيات بعثية سابقة.
هذا الطرح أثار استياءً واسعاً في أوساط ممثلي الإدارة الذاتية، الذين اعتبروا أن إعادة إدخال عناصر مرتبطة بحزب البعث إلى مفاصل العمل القضائي تمثل خطوة إلى الوراء، وتتناقض مع التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. كما رأوا في ذلك محاولة لإعادة إنتاج نموذج إداري مركزي يقوم على الإقصاء، بدلاً من تعزيز الشراكة.
وتشير المعطيات إلى أن حكومة دمشق تصر على إدارة القصر العدلي بشكل منفرد، معتبرة أن الملف القضائي يجب أن يكون خاضعاً لسلطتها المباشرة. في المقابل، تؤكد الإدارة الذاتية أن هذا التوجه يخالف جوهر التفاهمات القائمة، والتي تستند إلى مبدأ “التكامل المؤسساتي” وليس الهيمنة، بما يضمن مشاركة جميع الأطراف في إدارة المؤسسات الحيوية.
ويُعد ملف القضاء من أكثر الملفات حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بالسيادة وإدارة شؤون المواطنين، ما يجعل أي محاولة للانفراد به موضع رفض واسع. وترى الإدارة الذاتية أن استلام الحكومة للقصر العدلي وتعيين موظفين تابعين لها دون توافق مسبق يُعد خرقاً واضحاً للاتفاق، وتجاوزاً لمبدأ العمل المشترك.
في السياق ذاته، يشير مراقبون إلى أن الدفع بشخصيات بعثية سابقة لتولي مناصب في القصر العدلي يثير مخاوف إضافية، خاصة في ظل الإرث السياسي والأمني المرتبط بهذه الشخصيات، وما قد يحمله ذلك من دلالات على توجه لإعادة بسط النفوذ بأساليب تقليدية.
وتتمسك الإدارة الذاتية برؤيتها القائمة على “الشراكة الندية”، رافضة أي صيغة اندماج تقوم على الإخضاع أو التهميش، ومؤكدة أن الحفاظ على دور مؤسساتها يمثل ضرورة لضمان الاستقرار في المنطقة. كما تشدد على أن أي عملية اندماج يجب أن تكون قائمة على التوافق، بما يحفظ حقوق جميع المكونات ويمنع عودة سياسات الإقصاء.
ويعكس هذا الخلاف في جوهره صراعاً أوسع على شكل العلاقة المستقبلية بين الطرفين، إذ لا يقتصر الأمر على إدارة مرفق قضائي، بل يمتد إلى تحديد موازين القوى وطبيعة الإدارة في شمال شرقي سوريا. فالقصر العدلي، بما يمثله من رمزية سيادية، بات ساحة اختبار حقيقية لمدى التزام الأطراف بمبدأ الشراكة.
في ظل ذلك، تبدو احتمالات التصعيد قائمة، خاصة إذا استمرت محاولات فرض الأمر الواقع دون توافق. ويرى مراقبون أن تجاهل هواجس الإدارة الذاتية، ولا سيما فيما يتعلق بعودة الوجوه البعثية، قد يؤدي إلى تعميق فجوة الثقة، وعرقلة مسار التفاهمات.
وبين تمسك دمشق بالسيطرة، وإصرار الإدارة الذاتية على الشراكة، يبقى ملف القصر العدلي في الحسكة مؤشراً حساساً على مستقبل العلاقة بين الطرفين، وإمكانية الوصول إلى صيغة توازن تضمن الاستقرار، أو الانزلاق نحو مزيد من التوتر والصراع على النفوذ.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى