تنظيم أم تقـ ـييد؟.. قراءة نقدية في تعميم ترخيص التظـ ـاهر الصادر عن وزارة الداخلية السورية

أثار التعميم الجديد الصادر عن وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة بسوريا بشأن تنظيم وترخيص التظـ ـاهر السلمي جدلاً واسعاً، إذ قدّمته الوزارة باعتباره خطوة لتنظيم ممارسة حق التعبير ضمن إطار قانوني يضمن الأمـ ـن العام وسلامة المواطنين، غير أن قراءة متأنية لبنوده تكشف عن ثغـ ـرات واسعة تمنح السلطات التنفيذية أدوات قانونية وإدارية قد تُستخدم لتقـ ـييد أو منـ ـع المظـ ـاهرات المنـ ـاهضة لها تحت غطاء “التنظيم”.

في الظاهر، يتضمن القرار آليات تبدو إجرائية ومنظمة، مثل تشكيل لجنة لتنظيم المظاهرة وتقديم طلب رسمي، إلى جانب تحديد مهلة زمنية للرد لا تتجاوز خمسة أيام، مع اعتبار عدم الرد موافقة ضمنية. لكن عملياً، تفتح هذه الإجراءات الباب أمام عراقيل بيروقراطية قد تُستخدم لتأخير أو إرباك أي تحرك احتجاجي، خصوصاً في القضايا العاجلة التي تتطلب تعبئة شعبية سريعة، حيث يصبح الانتظار لعدة أيام بحد ذاته أداة لإفراغ الاحتجاج من مضمونه السياسي والزمني.

كما أن اشتراط تشكيل لجنة رسمية منظمّة للمظاهرة يفرض على المشاركين الكشف المسبق عن هوياتهم وتحمل مسؤوليات قانونية مباشرة، ما قد يخلق بيئة ردع ذاتي لدى المواطنين. وبذلك، يتحول التنظيم الإداري من وسيلة لتنسيق الاحتجاج إلى أداة لرصد المنظمين ومحاسبتهم لاحقاً.

ومن أكثر النقاط المثيرة للقلق، النص الذي يحمل اللجنة المنظمة مسؤولية “الحفاظ على النظام العام ومنع أي شعارات أو أفعال خارجة عن مضمون الترخيص”. هذه العبارة فضفاضة وقابلة لتفسيرات واسعة، إذ تمنح السلطات هامشاً كبيراً لاعتبار أي شعار أو هتاف أو لافتة مخالفة لما تم التصريح به سبباً قانونياً لفض المظاهرة أو تحميل المنظمين المسؤولية.

فعلى سبيل المثال، يمكن للسلطات اعتبار شعارات تنتقد الحكومة أو تطالب بإسقاط سياسات معينة خروجاً عن “مضمون الترخيص” أو تهديداً للنظام العام، ما يجعل استمرار المظاهرة مشروطاً عملياً بسقف سياسي ترسمه السلطة نفسها.

كذلك، يمنح التعميم وزارة الداخلية صلاحية طلب إنهاء المظاهرة في حال “تجاوزها حدود الترخيص” أو وقوع أعمال شغب أو مخالفات تمس الأمن العام. ورغم أن هذه البنود تبدو منطقية من حيث المبدأ، إلا أن غياب تعريف دقيق لمصطلحات مثل “الأمن العام” أو “تجاوز حدود الترخيص” يترك الباب مفتوحاً لاستخدامها بشكل انتقائي. ففي سياقات مشابهة، غالباً ما تُستخدم هذه المفاهيم لتبرير إنهاء احتجاجات سلمية لمجرد ارتفاع سقف مطالبها أو اتساع حجمها.

أما البند الأخطر، فيتمثل باعتبار أي تجمع غير مرخّص “تجمهراً غير مشروع” يخضع لقانون العقوبات. هذا النص لا يكتفي بمنع المظاهرات العفوية أو السريعة، بل يجرّمها بالكامل، ما يعني أن أي دعوة شعبية عاجلة للتجمع احتجاجاً على حدث طارئ أو قرار حكومي قد تتحول تلقائياً إلى مخالفة قانونية تبرر الملاحقة.

ورغم إتاحة حق الطعن أمام القضاء الإداري في حال رفض الترخيص، فإن المدة المحددة لبت المحكمة والتي تصل إلى أسبوعين تجعل هذا المسار عديم الفاعلية بالنسبة للاحتجاجات المرتبطة بظروف آنية، إذ تكون دوافع التظاهر قد فقدت زخمها بحلول صدور القرار القضائي.

في المحصلة، يظهر التعميم كإطار قانوني يمنح انطباعاً باحترام الحق في التظاهر، لكنه يتضمن في الوقت نفسه مجموعة من الأدوات التي قد تُستخدم لتقييد هذا الحق عملياً. فالمشكلة لا تكمن فقط في مبدأ الترخيص، بل في الصياغات المرنة والسلطات التقديرية الواسعة الممنوحة للأجهزة التنفيذية، والتي قد تجعل من “التنظيم” وسيلة قانونية لإدارة الاحتجاجات وضبطها أو منعها وفقاً للمصلحة السياسية للسلطة.

وبذلك، يظل نجاح هذا القرار في حماية حرية التظاهر مرهوناً بطريقة تطبيقه على الأرض، ومدى التزام السلطات بالتعامل مع الاحتجاج بوصفه حقاً دستورياً، لا تهديداً أمنياً قابلاً للاحتواء أو المنع.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى