الأخبار تركيا سوريا

النظام التركي يتفنن في طرق التخـ ـلص من اللاجئين السوريين بعد أن استخدمهم لتحقيق مآربه

لا تدخر تركيا جهداً لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بشتى الطرق، بعد أن انتهت من استخدامهم لتحقيق مصالحها على مدار سنوات، ومن بين هذه الطرق، الترويج لتوفر حالة الأمـ ـن والرخاء الاقتصادي في مناطق سيـ ـطرة الحكومة السورية، لإظهار عمـ ـليات الترحـ ـيل القسـ ـرية على أنها عمـ ـليات طوعية من قبل اللاجئين.

منذ مطلع العام الماضي، كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن مخططه لإعادة اللاجئين السوريين المتواجدين على الأراضي التركية إلى سوريا، بعد أن انتهى من استخدامهم لتحقيق مصالحه واستخدامهم كورقة ضغط ضد الاتحاد الأوروبي لدفعه لقبول مخططاته في المنطقة والسكوت عنها بالتزامن مع موجات النزوح الكبيرة التي شهدتها العديد من البلدان التي كانت تركيا متدخلة فيها وجزءاً مسبباً للأزمة فيها.

أردوغان أراد حتى عند التخلص من اللاجئين السوريين تحقيق اقصى استفادة ممكنة منهم، لذلك كشف صراحة عن نيته توطين أكثر من مليون لاجئ من هؤلاء في مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرة القوات التركية والفصائل الموالية لها، من أجل تغيير ديموغرافية تلك المناطق.

فالمعروف أن نسبة الكورد في عفرين كانت تبلغ قبل سيطرة القوات التركية عليها، ما يزيد عن 95 % ولكن الآن فهي أقل من 20 % وسط استمرار التضييق على هؤلاء المتبقيين من أجل دفعهم للهجرة، ووطنت تركيا عوضاً عن المهجرين قسراً ما يزيد عن 400 ألف مستوطن من التركمان وأفراد عائلات عناصر الفصائل التابعة له.

وكذلك الحال بالنسبة لمدينة رأس العين التي كان يبلغ تعداد السكان الكورد فيها نحو 50 % وهؤلاء جميعاً تم تهجيرهم وتم توطين آخرين في منازلهم، وكذلك في مدينة الباب كانت هناك أكثر من 100 قرية كوردية تم تهجير سكانها وتوطين آخرين في منازلهم.

عمليات التهجير القسري رافقها استيلاء على ممتلكات الكورد وتوزيعها على عناصر الفصائل كغنائم حرب.

ورغب أردوغان كثيراً في شن هجمات جديدة على المنطقة من أجل السيطرة على مناطق جديدة وتهجير الكورد منها لتوطين التركمان وعائلات عناصره فيها، ولكن جميع محاولاته بائت بالفشل، بسبب الرفض الغربي والعربي، وعدم ملائمة الظروف لأردوغان في تطبيق مخططه في ظل فقدانه للأوراق التي كان يستخدمها ضد أوروبا وروسيا وأمريكا. خصوصاً أنه كان مقبلاً على انتخابات رئاسية اتحدت فيها المعارضة ضده، وبالتالي كان يخشى من الإقدام على خطوة قد تجعله عرضة لعقوبات غربية لم يكن اقتصاده يتحملها، وحتى بعد فوزه في الانتخابات، فهو يواجه أزمات كثيرة وخصوصاً من الناحية الاقتصادية في ظل استمرار تهاوي الليرة التركية أمام الدولار وبلوغها حاجز الـ 26 ليرة مقابل الدولار، حيث خسرت الليرة نحو 40 % من قيمتها أمام الدولار وما زالت مستمرة بالتهاوي. فهذا الاقتصاد المتهالك نتيجة الحروب المستمرة التي يخوضها أردوغان منذ عام 2011 أنهكت الاقتصاد التركي وجعلت المواطن التركي يدفع الضرائب من أجل تمويل حروب أردوغان.

ومع فشل أردوغان في الحصول على إذن شن الهجمات على شمال وشرق سوريا، بدأ بتطبيع العلاقات مع الحكومة السورية برعاية روسية، ولأنه وعد الناخبين الأتراك بالتخلص من اللاجئين السوريين في حال إعادة انتخابه، فهو الآن مجبر على التخلص من اللاجئين السوريين للإيفاء بوعوده خصوصاً أن كلفة بقاء اللاجئين السوريين على الأراضي التركية باتت أكبر من الفائدة التي يمكن أن يحققها منهم.

ولذلك بدأ أردوغان ومسؤولو حكومته بالترويج لما يسمى عمليات العودة الطوعية، ولكنها في حقيقة الأمر إعادة قسرية للاجئين السوريين في انتهاك واضح للقوانين الدولية المتعلقة باللاجئين. إذ تشن قوات الأمن التركية بانتظام عمليات مداهمة في المدن التركية، وتعتقل السوريين وتجبرهم على التوقيع على أوراق ما تسمى العودة الطوعية، ومن ثم ترسلهم إلى مراكز الاحتجاز مكبلين بالأصفاد، ويتعرضون للمعاملة القاسية والتعذيب بحسب ما أكدته منظمة هيومن رايتس ووتش، وتعرض الكثير من اللاجئين بالتهديد بالقتل من قبل المسؤولين الأتراك في حال عودتهم إلى تركيا.

وسعت تركيا من خلال عمليات الترحيل القسري هذه إلى الشمال السوري، إلى تغيير التركيبة الديموغرافية، ولكن زيادة عدد المرحلين قسراً إلى الشمال السوري بات يشكل تهديداً للسلطات التركية، بسبب ازدياد استياء هؤلاء من تركيا وتأثيرهم على بقية المتواجدين في تلك المناطق من ناحية قبول تركيا التي تخشى أن يثور هؤلاء على الوجود التركي خصوصاً مع ازدياد الفلتان الأمني والفوضى وارتفاع الأسعار وانعدام الأمن والغذاء في تلك المناطق.

وأمام هذا الوضع، بدأت تركيا باللجوء إلى مخطط جديد لإعادة اللاجئين السوريين، وذلك من خلال إرسال ِشخصيات مؤثرة في المجتمع التركي بحجة السياحة إلى سوريا وتحديداً المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، بالتزامن مع حملة يقودها مسؤولو الحملة التركية، عبر الادعاء بأن مناطق سيطرة الحكومة السورية باتت آمنة وتتوفر فيها مقومات الحياة وأن الأوضاع الاقتصادية فيها جيدة وتتحسن بشكل مستمر بعد التطبيع العربي مع الحكومة السورية، وذلك من أجل التغطية على عمليات الترحيل القسرية التي تتبعها بحق السوريين.

فقبل أيام ظهرت شخصيات تركية تدعي أنها معارضة لنظام أردوغان ولكنها في حقيقة الأمر، شخصيات تمارس الحرب الخاصة لصالح هذا النظام داخل المجتمع التركي، وهي تتجول في مواقع أثرية سورية، وتصور مقاطع مصورة عن تلك المناطق وتقول فيها أن سوريا باتت آمنة ويمكن للسوريين العودة إلى ديارهم عبر التعاون بين أنقرة ودمشق ضمن مخطط المصالحة وتطبيع العلاقات بينهما برعاية روسية.

ولكن هل فعلاً المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية آمنة وتتوفر فيها مقومات الاقتصاد؟ بالتأكيد الإجابة لدى السوريين جميعاً هي أن هذه المناطق غير آمنة وتتأزم فيها الأزمات أكثر وأكثر مع فقدان المحروقات وانعدام الكهرباء والمياه والخبز وارتفاع الأسعار فيها بشكل جنوني وعدم توفر فرص العمل وتدني رواتب الموظفين والعاملين إلى درجة تكون فيها شبه معدومة لا تكفي لتغطية احتياجات فرد واحد لمدة أسبوع.

والتأكيد على ذلك هو هجرة السوريين بشكل متواصل من هناك، ففي شهر حزيران غرق مركب في البحر المتوسط فقد فيه ما يزيد عن 100 شخص من درعا لحياتهم، وخلال الأيام الماضية اعتقلت السلطات اللبنانية ما يزيد عن 300 سوري كانوا ينوون التوجه إلى أوروبا عبر السواحل اللبنانية، وجميع هؤلاء هم من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية.

تركيا مقبلة على انتخابات بلدية خلال الفترة القادمة، والغضب الشعبي في الداخل التركي من تواجد السوريين بات في أعلى المستويات، وأردوغان وعد الناخبين بإعادة هؤلاء اللاجئين، وإن لم يحقق مطلبهم هذا فبالتأكيد أنه سيخسر الانتخابات المحلية وسيخسر بلديات أخرى بعد أن خسر بلديات كبرى المدن مثل أنقرة وإسطنبول في الانتخابات الماضية.

لا يعلم أحد أي مصير ينتظر اللاجئين السوريين المتواجدين على الأراضي التركية، مع خروج أردوغان كل يوم بمخطط جديد للتخلص منهم بعد أن استخدمهم لسنوات من أجل مصالحه. يبدو أن السوريين الذين ظنوا أن أردوغان يهمه مصير السوريين والمسلمين كانوا مخطئين والآن يدفعون ثمن ثقتهم به، وحال الائتلاف السوري وفصائل الجيش الوطني لن تكون أفضل من حال هؤلاء اللاجئين، سيأتي يوم ويتخلى فيه أردوغان عنهم، وإن هذا اليوم لناظره لقريب.

 

مشاركة المقال عبر