سوريا

المعارضة السورية أسوأ من النظام السوري

أحد عشر عاما مرت على اندلاع الحرب الأهلية السورية ولا يزال هناك خياران فقط في سوريا، السيء والأسوأ. النظام السوري يُمثل الخيار السيء والمعارضة (المعارضات) السورية تُمثل الخيار الأسوأ، أو في أحسن الأحوال، فإن نظام الأسد والمعارضة السورية وجهان لعملة واحدة.
التاريخ والحاضر زاخران بالأمثلة التي تبرهن على نحو لا مراء فيه بأن معظم المعارضات في العالم تكاد تكون نسخة طبق الأصل من الأنظمة أو الأحزاب الحاكمة. هذه القاعدة الذهبية تشمل الدول الديمقراطية والمستبدة على حد سواء. ربما تخضع لبعض الاستثناءات، لكن الحالة السورية ليست منها بكل تأكيد. على النقيض من ذلك، فالاستثناء العكسي الوحيد في هذا الإطار يكمن في تفوق المعارضة السورية على النظام السوري من حيث تبنيها لخطاب سياسي وسلوكيات أكثر انحطاطا وانسلاخا عن روح العصر.
المفكر السياسي الأميركي روبرت آلان دال يُسلّط الضوء في كتابه “الأنظمة والمعارضات” على إشكالية لطالما أرّقت وأرهقت العقول ألا وهي صعوبة إن لم يكن استحالة تقديم المعارضات لبدائل أفضل من الأنظمة في الدول التي لها باع طويل في الاستبداد والتنكيل والقمع. والسبب الرئيسي وراء ولادة هذه الظاهرة هو اشتراك الأنظمة والمعارضات في الدول والجغرافيات المتمرّغة في الاستبداد بنفس القيم والسلوكيات التي تنتج بشكل تلقائي أنظمة حكم شمولية في الجوهر حتى وإن تغيرت في المظهر. وبالتالي فإن مفهوم وتجليات “المعارضة” الحقيقية تظهر فقط، أو على الأغلب، في الدول الديمقراطية.
فحوى نظرية دال يمكن تطبيقه بحذافيره على بؤس المعارضة (المعارضات) السورية التي كَثُرت وتكاثرت منذ 2011. أبرز الشخصيات في المعارضات السورية هم إما مؤيدون سابقون لنظام الأسد أو ينتمون إلى تيارات الإسلام السياسي، وبشكل أدق، إلى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا المدعومة من قبل تركيا الأردوغانية وقطر التميمية. وبالتالي فإن النظام السوري وخصومه لهم ذات القيم والثقافة حيث ارتووا من نفس ينبوع الاستبداد والإقصاء وتمجيد اللون الواحد والحزب الواحد والطائفة والقومية الواحدة.
طوال الأزمة السورية تبنّت المعارضات السورية سياسات وأجندات مماثلة ومتماهية مع سياسات نظام الأسد، إن لم تكن أفظع منها في بعض الأزمان والأماكن. فمنذ إطلاق الرصاصة الأولى في الصراع الداخلي السوري عام 2011، أقحمت المعارضة السورية المسلحة عن سابق تصور وتصميم وإصرار المناطق المأهولة بالسكان في دائرة الصراع المسلح مع نظام الأسد الذي لا يرحم.
كانت الفصائل المسلحة التي ورّطت عن عمد المناطق السكنية في الصراع الدموي مع نظام الأسد على دراية تامة بردة الفعل الوحشية المتوقعة من قبل النظام السوري. لكنها مع ذلك لم تكترث لحياة وأرزاق وممتلكات الناس، ولم تحترم المواثيق الدولية في هذا الصدد. وكان هدفها وأملها الوحيد هو استجلاب التدخل العسكري الغربي لإسقاط نظام الأسد والاستيلاء على السلطة.
بعد أن باءت بالفشل كافة محاولات المعارضات السورية السياسية والمسلحة في إقناع الغرب بالتدخل العسكري والإطاحة بنظام الأسد، توجهت بالطلب والترجي إلى تركيا لغزو واحتلال العديد من المناطق في شمال وشمال شرق سوريا منذ سنة 2016 وإلى غاية اليوم. ووصفت المعارضة السورية الموالية لتركيا وقطر، أي الائتلاف السوري المعارض، تلك المناطق التي احتلتها تركيا بالمناطق المحررة. وقامت الفصائل الموالية لأنقرة والدوحة، على غرار نظام الأسد، بتصفية المعارضين. كما باشروا بتنفيذ تغييرات ديموغرافية هائلة في مدينة عفرين عندما طردوا سكانها الأصليين من الأكراد وقاموا بتوطين العرب والتركمان بدلا منهم. وقامت تلك الفصائل بتطبيق عين السياسات في مدينتي رأس العين وتل أبيض المحتلتين من قبل تركيا.
كذلك عمدت الفصائل المسلحة وبإيعاز من أنقرة بتغيير أسماء المدن والبلدات التي احتلتها تركيا، وخاصة الكردية منها، ثم طبقت تلك الفصائل سياسة التعريب والتتريك بشكل ممنهج. ورفعوا العلم التركي وصور سلطانهم أردوغان في الأراضي السورية المحتلة من قبل تركيا. وأصبحت اللغة التركية لغة رسمية في المدارس والجامعات في تلك المناطق. وتحولت الليرة التركية إلى عملة رئيسية في المعاملات التجارية والمالية في جميع الأراضي السورية المحتلة من قبل تركيا.
كما عينت الحكومة التركية ولاة أتراكا على تلك المناطق. وبالتالي، أصبحت كافة المناطق المحتلة عمليا وإداريا جزءا من تركيا. وهذا بدوره يعكس النوايا التركية المبيّتة في ضم تلك المناطق إلى خارطتها بشكل دائم كما فعلت أنقرة مع لواء إسكندرون في أربعينات القرن الماضي، وكما فعلت مع شمال قبرص في سبعينات القرن الماضي وتنوي أنقرة عدم مغادرة الأراضي التي احتلتها في إقليم كردستان العراق تحت ذريعة محاربة عناصر حزب العمال الكردستاني.
تبنّت المعارضة السورية، وخاصة “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” المدعوم من أنقرة والدوحة، خطابا طائفيا وعروبيا متطرفا. لطالما أصرّ الائتلاف على إضفاء الطابع العربي والإسلامي المحض على سوريا وفق رؤاهم، الأمر الذي يشكل تهديدا صارخا للمكوّنات الأخرى غير العربية وغير المسلمة وانتقاصا من وجودها ودورها. والأسوأ من ذلك، أن الائتلاف المعارض يستبسل ويجاهد في سبيل إعادة إنتاج النظام المركزي في سوريا، وهذه المرة مغلف بطابع الإخوان المسلمين الممقوت. ولا يخفي الائتلاف هنا مقته لأطروحة الفيدرالية أو اللامركزية لسوريا المستقبلية بحجة الحفاظ على وحدة سوريا، هذه الأسطوانة المشروخة التي لطالما رددها البعث.
ظهرت العشرات من الفصائل المسلحة المتطرفة التابعة للمعارضة السورية، بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة التي استبدلت اسمها إلى هيئة تحرير الشام (فرع القاعدة). وخاضت هذه الجماعات المتطرفة العشرات من المعارك ضد بعضها البعض من أجل النفوذ وتنفيذ الأجندات التركية والقطرية. وتحول الآلاف من أعضائها إلى مرتزقة عند الطلب تحت الإشراف المباشر للاستخبارات التركية لخدمة أجندات تركيا ومصالحها في سوريا وعموم المنطقة. وعلى هذا الأساس، تم تجنيد هؤلاء في ليبيا وأذربيجان وفنزويلا وأماكن أخرى.
المعارضة السورية منقسمة إلى منصات عديدة. منصة إسطنبول ومنصة موسكو ومنصة القاهرة ومنصة المعارضة “الوطنية” في الداخل وفق تصنيف نظام الأسد. كل منصة تمثل أجندات ومصالح الدولة الراعية لها وتتاجر علنا بسوريا المنكوبة وشعبها البائس.
ما سبق هو غيض من فيض ما قدمته المعارضات السورية السياسية والمسلحة، خاصة المحسوبة على تركيا وقطر. لسوء الحظ، وبعد انقضاء أكثر من عقد من الزمان على نشوب النزاع الداخلي السوري، ومئات الآلاف من القتلى والملايين من النازحين والمهجّرين داخليا وخارجيا، وبعد أن تحولت العشرات من المدن والبلدات والقرى السورية إلى أنقاض وركام، لا يلوح في الأفق سوى خيارين أمام السوريين. الخيار السيء ويمثله نظام الأسد الذي باع سوريا لروسيا وإيران مقابل بقائه في السلطة، والخيار الأسوأ المتمثل في المعارضة الإخوانية المهيمنة التي تنفذ الأجندات التركية والقطرية في سوريا.
جوان ديبو – كاتب سوري كوردي – صحيفة العرب

المعارضة السورية أسوأ من النظام السوري
أحد عشر عاما مرت على اندلاع الحرب الأهلية السورية ولا يزال هناك خياران فقط في سوريا، السيء والأسوأ. النظام السوري يُمثل الخيار السيء والمعارضة (المعارضات) السورية تُمثل الخيار الأسوأ، أو في أحسن الأحوال، فإن نظام الأسد والمعارضة السورية وجهان لعملة واحدة.
التاريخ والحاضر زاخران بالأمثلة التي تبرهن على نحو لا مراء فيه بأن معظم المعارضات في العالم تكاد تكون نسخة طبق الأصل من الأنظمة أو الأحزاب الحاكمة. هذه القاعدة الذهبية تشمل الدول الديمقراطية والمستبدة على حد سواء. ربما تخضع لبعض الاستثناءات، لكن الحالة السورية ليست منها بكل تأكيد. على النقيض من ذلك، فالاستثناء العكسي الوحيد في هذا الإطار يكمن في تفوق المعارضة السورية على النظام السوري من حيث تبنيها لخطاب سياسي وسلوكيات أكثر انحطاطا وانسلاخا عن روح العصر.
المفكر السياسي الأميركي روبرت آلان دال يُسلّط الضوء في كتابه “الأنظمة والمعارضات” على إشكالية لطالما أرّقت وأرهقت العقول ألا وهي صعوبة إن لم يكن استحالة تقديم المعارضات لبدائل أفضل من الأنظمة في الدول التي لها باع طويل في الاستبداد والتنكيل والقمع. والسبب الرئيسي وراء ولادة هذه الظاهرة هو اشتراك الأنظمة والمعارضات في الدول والجغرافيات المتمرّغة في الاستبداد بنفس القيم والسلوكيات التي تنتج بشكل تلقائي أنظمة حكم شمولية في الجوهر حتى وإن تغيرت في المظهر. وبالتالي فإن مفهوم وتجليات “المعارضة” الحقيقية تظهر فقط، أو على الأغلب، في الدول الديمقراطية.
فحوى نظرية دال يمكن تطبيقه بحذافيره على بؤس المعارضة (المعارضات) السورية التي كَثُرت وتكاثرت منذ 2011. أبرز الشخصيات في المعارضات السورية هم إما مؤيدون سابقون لنظام الأسد أو ينتمون إلى تيارات الإسلام السياسي، وبشكل أدق، إلى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا المدعومة من قبل تركيا الأردوغانية وقطر التميمية. وبالتالي فإن النظام السوري وخصومه لهم ذات القيم والثقافة حيث ارتووا من نفس ينبوع الاستبداد والإقصاء وتمجيد اللون الواحد والحزب الواحد والطائفة والقومية الواحدة.
طوال الأزمة السورية تبنّت المعارضات السورية سياسات وأجندات مماثلة ومتماهية مع سياسات نظام الأسد، إن لم تكن أفظع منها في بعض الأزمان والأماكن. فمنذ إطلاق الرصاصة الأولى في الصراع الداخلي السوري عام 2011، أقحمت المعارضة السورية المسلحة عن سابق تصور وتصميم وإصرار المناطق المأهولة بالسكان في دائرة الصراع المسلح مع نظام الأسد الذي لا يرحم.
كانت الفصائل المسلحة التي ورّطت عن عمد المناطق السكنية في الصراع الدموي مع نظام الأسد على دراية تامة بردة الفعل الوحشية المتوقعة من قبل النظام السوري. لكنها مع ذلك لم تكترث لحياة وأرزاق وممتلكات الناس، ولم تحترم المواثيق الدولية في هذا الصدد. وكان هدفها وأملها الوحيد هو استجلاب التدخل العسكري الغربي لإسقاط نظام الأسد والاستيلاء على السلطة.
بعد أن باءت بالفشل كافة محاولات المعارضات السورية السياسية والمسلحة في إقناع الغرب بالتدخل العسكري والإطاحة بنظام الأسد، توجهت بالطلب والترجي إلى تركيا لغزو واحتلال العديد من المناطق في شمال وشمال شرق سوريا منذ سنة 2016 وإلى غاية اليوم. ووصفت المعارضة السورية الموالية لتركيا وقطر، أي الائتلاف السوري المعارض، تلك المناطق التي احتلتها تركيا بالمناطق المحررة. وقامت الفصائل الموالية لأنقرة والدوحة، على غرار نظام الأسد، بتصفية المعارضين. كما باشروا بتنفيذ تغييرات ديموغرافية هائلة في مدينة عفرين عندما طردوا سكانها الأصليين من الأكراد وقاموا بتوطين العرب والتركمان بدلا منهم. وقامت تلك الفصائل بتطبيق عين السياسات في مدينتي رأس العين وتل أبيض المحتلتين من قبل تركيا.
كذلك عمدت الفصائل المسلحة وبإيعاز من أنقرة بتغيير أسماء المدن والبلدات التي احتلتها تركيا، وخاصة الكردية منها، ثم طبقت تلك الفصائل سياسة التعريب والتتريك بشكل ممنهج. ورفعوا العلم التركي وصور سلطانهم أردوغان في الأراضي السورية المحتلة من قبل تركيا. وأصبحت اللغة التركية لغة رسمية في المدارس والجامعات في تلك المناطق. وتحولت الليرة التركية إلى عملة رئيسية في المعاملات التجارية والمالية في جميع الأراضي السورية المحتلة من قبل تركيا.
كما عينت الحكومة التركية ولاة أتراكا على تلك المناطق. وبالتالي، أصبحت كافة المناطق المحتلة عمليا وإداريا جزءا من تركيا. وهذا بدوره يعكس النوايا التركية المبيّتة في ضم تلك المناطق إلى خارطتها بشكل دائم كما فعلت أنقرة مع لواء إسكندرون في أربعينات القرن الماضي، وكما فعلت مع شمال قبرص في سبعينات القرن الماضي وتنوي أنقرة عدم مغادرة الأراضي التي احتلتها في إقليم كردستان العراق تحت ذريعة محاربة عناصر حزب العمال الكردستاني.
تبنّت المعارضة السورية، وخاصة “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” المدعوم من أنقرة والدوحة، خطابا طائفيا وعروبيا متطرفا. لطالما أصرّ الائتلاف على إضفاء الطابع العربي والإسلامي المحض على سوريا وفق رؤاهم، الأمر الذي يشكل تهديدا صارخا للمكوّنات الأخرى غير العربية وغير المسلمة وانتقاصا من وجودها ودورها. والأسوأ من ذلك، أن الائتلاف المعارض يستبسل ويجاهد في سبيل إعادة إنتاج النظام المركزي في سوريا، وهذه المرة مغلف بطابع الإخوان المسلمين الممقوت. ولا يخفي الائتلاف هنا مقته لأطروحة الفيدرالية أو اللامركزية لسوريا المستقبلية بحجة الحفاظ على وحدة سوريا، هذه الأسطوانة المشروخة التي لطالما رددها البعث.
ظهرت العشرات من الفصائل المسلحة المتطرفة التابعة للمعارضة السورية، بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة التي استبدلت اسمها إلى هيئة تحرير الشام (فرع القاعدة). وخاضت هذه الجماعات المتطرفة العشرات من المعارك ضد بعضها البعض من أجل النفوذ وتنفيذ الأجندات التركية والقطرية. وتحول الآلاف من أعضائها إلى مرتزقة عند الطلب تحت الإشراف المباشر للاستخبارات التركية لخدمة أجندات تركيا ومصالحها في سوريا وعموم المنطقة. وعلى هذا الأساس، تم تجنيد هؤلاء في ليبيا وأذربيجان وفنزويلا وأماكن أخرى.
المعارضة السورية منقسمة إلى منصات عديدة. منصة إسطنبول ومنصة موسكو ومنصة القاهرة ومنصة المعارضة “الوطنية” في الداخل وفق تصنيف نظام الأسد. كل منصة تمثل أجندات ومصالح الدولة الراعية لها وتتاجر علنا بسوريا المنكوبة وشعبها البائس.
ما سبق هو غيض من فيض ما قدمته المعارضات السورية السياسية والمسلحة، خاصة المحسوبة على تركيا وقطر. لسوء الحظ، وبعد انقضاء أكثر من عقد من الزمان على نشوب النزاع الداخلي السوري، ومئات الآلاف من القتلى والملايين من النازحين والمهجّرين داخليا وخارجيا، وبعد أن تحولت العشرات من المدن والبلدات والقرى السورية إلى أنقاض وركام، لا يلوح في الأفق سوى خيارين أمام السوريين. الخيار السيء ويمثله نظام الأسد الذي باع سوريا لروسيا وإيران مقابل بقائه في السلطة، والخيار الأسوأ المتمثل في المعارضة الإخوانية المهيمنة التي تنفذ الأجندات التركية والقطرية في سوريا.
جوان ديبو – كاتب سوري كوردي – صحيفة العرب

مشاركة المقال عبر